أحمد بن سهل البلخي

466

مصالح الأبدان والأنفس

لأنّ الطبع يدعوه إلى أن يمرح بين الحركة والسكون في أحواله ، إذ كان صلاحه في ذلك . فيجب على الإنسان ألّا يخالف هذا المذهب الذي هو المصلحة الطبيعيّة ، ويجعل لبعضه حظّا من حركة ، ليستعين بها في حفظ صحّته ، ويعلم أنّ الحركة إذا أفرطت ودامت أتعبت البدن وسخّنته تسخينا ، وآلمته إيلاما مقلقا ، وأدّته في آخر ذلك إلى انحلال القوى وانهداد الأركان ، وأنّ السكون إذا دام وأفرط أحدث في البدن استرخاء وكسلا وثقلا ، وجمع فيه رطوبة تتمكّن معها العفونة إذا تطاولت بها المدّة ، وإذا عفنت ولّدت الأمراض والعلل . وذلك أمر معتبر في الرطوبات الخارجة عن الأجساد ، من المياه الراكدة المحتبسة في النقائع / والحياض « 1 » من خلوص العفونة والفساد إليها إذا امتدّ بها الزمان باحتباسها وركودها في مواضعها ، وإذا كانت مياها جارية في الأنهار لم يصبها شيء من ذلك الفساد ؛ فحال الرطوبات الداخلة في الأجساد مشابهة لتلك المياه في إسراع العفونة إلى ما لا يصيبه منها « 2 » حركة ، وسلامة ما يصيبه سخونة الحركة منها . ومن أجل ذلك صار كثير من أهل النعمة والدّعة والرفاهية في العيش الذين تقلّ حركاتهم يدفعون إلى أمراض مزمنة معطّلة للجوارح ، مثل النقرس « 3 » وغيره ؛ وذلك لانصباب الموادّ من الأطعمة والأشربة التي تفضل عن الهضم إلى أطراف أجسادهم ، واحتباسها فيها ، وعدمها النضج لحركة تحلّلها . فإذا اجتمعت هناك وبقيت فجّة عفنت ، وإذا عفنت ولّدت أمراضا تزمنهم ، مثل ركوبة « 4 » الحيوان إذا

--> ( 1 ) الحوض : مفرد ، جمعه حياض وأحواض ، من حاض الماء : جمعه ( القاموس المحيط ح وض 1 / 868 ) . ( 2 ) أي : من المياه . ( 3 ) النقرس : ما اختص بالأطراف من وجع المفاصل ( الألواحية 275 ) . ( 4 ) الرّكوبة : المعيّنة للركوب ، والملازمة للعمل من الدواب ( القاموس المحيط ر ك ب 1 / 170 ) .