أحمد بن سهل البلخي
444
مصالح الأبدان والأنفس
تحديده مع اختلاف الطبائع والعادات من الناس ؛ إلّا أنّ الذي يتهيّأ من ذلك بالحكم الأعمّ لجميع الطبائع ، فهو أن يكون النوم ثلث جميع ساعات الليل والنهار ، وأن يكون ثلثاها لليقظة والتصرّف في اقتناء الفضائل ، / والقيام بمصالح الدين والدنيا ، فإنّ هذا أمر حكم به الذين تكلّموا في تدبير الأفعال الجسدانيّة والنفسانيّة ، وهو الأمر الذي يوجبه النظر من العقل ؛ وذلك لأنّ اليقظة حياة وحسّ ، والنوم يعطّل العقل والحسّ ، فواجب أن يكون حصّة هذا الشيء الأفضل من الأوقات أكثر من حصّة الشيء الأرذل . وممّا يجب صيانة « 1 » حكم التدبير الأفضل فيه [ من ] أسباب النوم وحال الانتباه منه ، وذلك أنّ كلّا من أصناف الحيوان له عادة في شكل النوم ، ولا يكاد يتعدّاه إلى غيره ، ومعلوم أنّه لم يهد لذلك الشكل والهيئة إلّا لمنفعة له فيه ، فإنّ اللّه - تبارك وتعالى - لم يخلق شيئا عبثا . فأمّا الإنسان فإنّه قد ركّب تركيبا يتهيّأ له معه أن يصرّف أعضاءه في اليقظة وعند النوم كيف أحبّ ، من بسط وقبض ، وتقديم وتأخير ، لتتمّ بتلك الهيئات أفعاله ؛ فالذي اختير له / من أشكال النوم أن ينام على جنبه الأيسر ، ويضمّ فخذيه إلى بطنه وما يلي صدره « 2 » ؛ فإنّ هذا الشكل من أشكال النوم أبلغ في تسخين أحشائه ، وانهضام غذائه ، وصيانة أعضائه الداخلة ، وهو شكل يستعمل كثيرا من أصناف الحيوان ذوات الأربع عند نومها . غير أنّه وإن كانت هذه هيئة مختارة للنوم ، فإنّه ليس من الصواب أن يعوّد نفسه شكلا من أشكال النوم لا يستبدل به غيره حتى يصير عادة له ؛ فإنّه ربّما عرض له من العلل في جسده ، ما يحوجه إلى أن يجعل نومه على خلاف الهيئة التي جرت بها عادته ، فيصعب انتقاله عنها ، ويقلق لذلك ، ويقلّ صبره عليه .
--> ( 1 ) في أ ، ب : إصانة . والصواب ما أثبت . صانه صونا وصيانة ، فهو مصون ومصوون : حفظه ( القاموس المحيط ص ون 2 / 1591 ) . ( 2 ) في ب : صدوره . والصواب من أ .