أحمد بن سهل البلخي
429
مصالح الأبدان والأنفس
فلذلك يجب أن يقلّل هذه الطبقة من الشرب ، وأن يكون ما يتناوله المشايخ من الشراب على سبيل العلاج ، فإنّهم ينتفعون به ؛ لأنّه كالضدّ لمزاجهم ، والعلاج إنّما هو كالمضادّة ، وما يتناوله الشبان على سبيل التلذّذ ، والتلذّذ إنّما هو بالمشاكل ، والمضادّ « 1 » لا يمكن الاستكثار منه كما يمكن الاستكثار من المشاكل . وأمّا تقدير ما يجب أن يأخذه من الشراب كلّ من هؤلاء الطبقات ، فإنّه غير ممكن ؛ وذلك لاختلاف طبائع الناس ، والطبائع المختلفة في القوّة والضعف لا يتهيّأ أن يتّخذ لها مقدار من المشروب ، كما لا يتهيّأ ذلك في المأكول ؛ لأنّ حكمها في هذا المعنى واحد ، فمن الناس من يشبعه اليسير من الطعام ، ومنهم / من لا يشبعه أضعاف ذلك ، وكذلك منهم من لا يحتمل من الشراب إلّا القدر اليسير حتى يبلغ ذلك به غاية لا يبلغها غيره بشرب أضعافه . وإذا كان كذلك فالواجب على كلّ من أراد أن يكون شربه بتقدير ، وعلى سبيل صواب من التدبير - وعلى الملوك خصوصا - أن يأخذ عيار المقدار من طبيعته ، وما يعلم أنّه يحتمله بتوظيف ذلك القدر ليشربه ، ويوطّن نفسه على ألّا يزيد فيه ، بل يجعل شربه دون ما يحتمله ، ويدّخر فضله لوقت لهو تميل نفسه إلى استتمامه فيه . ثمّ من الواجب على من أراد لزوم الأدب المستحسن في معنى الشرب من الملوك خصوصا ومن سواهم ، ألّا يدمن الشرب الذي يشرب للّذّة والأنس ؛ لأنّ إدمان هذا النوع من الشرب الذي يشرب للّذّة يهدم البدن ، ويكلّ قواه ، ويغيّر شهوة الطعام / والشراب ، بل الأصلح له أن يتناول الشراب الذي / لا بدّ أن يبلغ منه الغاية غبّا ، وفيما بين أيّام مرّة ، فإن كان ممّن اعتاد الشرب ، ولم يمكنه له قطعه أصلا ، فيشرب « 2 » منه مقدار ما يشرب للغذاء ، واستدامة المجلس ، ولا
--> ( 1 ) في أ : والمضادّ ولا يمكن ، وفي ب : والمضادّ فلا يمكن . والصواب ما أثبت . ( 2 ) في ب : فشرب . والصواب من أ .