أحمد بن سهل البلخي

413

مصالح الأبدان والأنفس

الباب السادس في تدبير الشراب 1 / 6 / 1 : القول في عامّة الشراب : إنّ الحاجة إلى الشراب تقترن بالحاجة إلى الطّعم ، ولا يقوم أحدهما ولا يكمل فعله إلّا بالآخر ؛ لأنّ الطعام عامّته جسم / أرضيّ يحتاج إلى ما يرقّق أجزاءه ، ويهيّئه للقوّة الهاضمة ، حتى تعمل عملها فيه ، وتسلّمه إلى الكبد فيصير دما ، ثمّ يغذو الكبد بذلك الدّم جميع الجسد كما تقدّم من وصف ذلك . ولذلك وجب أن يكون الشراب مركبا للطعام ، ويكون مائيّا ، لا يخالطه شيء أرضيّ ألبتّة ؛ فإنّ العادة قد جرت بأن يسمّى كلّ ما يشرب شرابا ، وأمّا بالحقيقة فهو الشيء الذي إذا طبخ لم ينعقد منه شيء ، فصار جميعه بخارا ، مثل الماء والشراب المسكر الرقيق الصافي إذا لم يبق له ثفل « 1 » ألبتّة ، فأمّا ما يبقى له ثفل ، أو ينعقد منه شيء إذا طبخ ، فهو إلى الطعام أقرب منه إلى الشراب ، مثل اللّبن الذي يسمّى شرابا ، وهو طعام وشراب ، ولو لم يكن كذلك ، لما كان يتركّب منه أجساد الأطفال الذين غذاؤهم الأوّل منه ، ومنه تتركّب لحومهم وعظامهم ، وكذلك قد تتّخذ منه الأجساد الكثيرة بالصنعة ، مثل الجبن والمصل وغيرهما ، / وهكذا طبيخ العنب وربوب جميع الفواكه ، فإنّه يتّخذ منها أطعمة كثيرة ، فلذلك يجب أن يكون كلّ منها إلى الطعام أقرب منه إلى الشراب ، والرّبوب كلّها تغذو الجسم الأرضيّ ، والماء والشراب الصافي لا يغذوان الجسد .

--> ( 1 ) في ب : ثقل . والصواب من أ .