أحمد بن سهل البلخي
407
مصالح الأبدان والأنفس
الحال ، فإنّ المعدة إذا وقع فيها الطعام تحرّكت للانهضام ، فإذا عملت فيه « 1 » الحرارة والرطوبة ربا وانتفخ واحتاج إلى مكان واسع ، فإذا لم تمتلئ منه المعدة وجد فيها متّسعا للرّبوّ والانبساط ، وإذا ملئت منه في أوّل الأمر ، ثمّ احتاج إلى الرّبوّ ضاق عليه المكان ، وأصابته الكظّة المؤذية . وينبغي لمن كانت طبيعته قويّة صحيحة أن يستوفي أكلته ، فإنّه يتهيّأ له أن يجعلها في اليوم والليلة واحدة ، وأمّا من ضعفت / قوّته كالمشايخ والناقهين من العلل ، فإنّه ربّما عجز لضعف قوّته عن استيفاء أكلته ؛ وينبغي أن يخفّف على الطبيعة ، ويتناول من الطعام قدر ما يتهيّأ له استمراؤه ، ويجعلها « 2 » مرّتين وأكثر ، ويتحرّى أن يكون ما يغتذي به اللطيف من الأطعمة والأغذية ، ويقلّل كمّيّته في كلّ مرّة ؛ ليتهيّأ له استمراؤه ، ولا يتولّد عليه مكروه ، ويجعل العبرة في ذلك من طبائع الصبيان الذين تدبّر أمورهم الطبيعة لا الفكرة ؛ فإنّهم لضعف قوّتهم يأكلون في اليوم واللّيلة مرارا ، ويكون الذي يرزأونه « 3 » من الطعام في كلّ مرّة شيئا قليلا على حسب ما تحتمله القوّة الغريزيّة منه . وينبغي أن يكون الانبساط في الأكل أيّام الشتاء أكثر منه في أيّام الصيف ؛ وذلك لأنّ الحرارة تكثر في أجواف الناس والحيوان ، لاستحصاف الأبدان بالبرد المحيط ، وانهزام الحرارة إلى غور البدن عنه « 4 » ، فتكثر وتتكاثف / وتقوى على هضم الطعام ، واستمراء الغليظ منه . وأمّا في الصيف فإنّ الأجواف تبرد لخروج الحرارة وانتشارها ، فتضعف القوّة الهاضمة ؛ ولذلك يجب تقليل الغذاء فيه « 5 » ، والقصد باللطيف « 6 » من أنواعه ، كالبوارد وما أشبهها من لطيف الأطعمة ؛ كيلا تعجز الطبيعة عن استمرائه .
--> ( 1 ) في أ : فيها . والأولى من ب . ( 2 ) أي : أكلته . ( 3 ) رزأ الشيء : نقصه ( القاموس المحيط ر ز أ 1 / 106 ) . ( 4 ) أي : عن البدن . ( 5 ) أي : في الصيف . ( 6 ) في ب : اللطيف .