أحمد بن سهل البلخي

398

مصالح الأبدان والأنفس

منها الأشياء الحارّة الحرّيفة « 1 » ، مثل البصل والكرّاث والخردل وأشباه هذه ؛ فإنّها تلذع آلات / الغذاء التي تمرئها في الجوف ، حتى ربّما أقرحت بعضها ، وفعلت الشبيه بما تفعله في ظاهر البدن إذا وضع شيء منها عليه ، فقد نرى أنّه يلذعه ويحرقه ، وإذا فعل ذلك في ظاهر الجلد ، فهو أحرى أن يفعله في باطنه . وإذا انهضمت هذه الأشياء اللّذّاعة أحدثت في الكيموسات كيفيّة حادّة حرّيفة ، وربّما كانت سببا للقروح والأورام والأمراض الصعبة ؛ وذلك أنّ الذي يفعله كيفيّة الدّم باستحالته عن طبيعته وقوامه « 2 » أضرّ بالإنسان ممّا يفعله كمّيّته إذا زادت على المقدار . فينبغي للمعنيّ بمصالح بدنه أن يتجنّب الإكثار من هذه الأشياء ، وألا يتناول منها شيئا نيّئا ألبتّة ، فإنّ له من التأثير القويّ في إحراق الكيموسات ما ذكرناه ، وهي للعلاج أصلح منها للغذاء . والطعام بعد ينقسم من جهة طعومه إلى المعتدل الطعم ، الذي لا يغلب عليه شيء من الطعوم ، كالخبز ، واللّحم / ، واللّبن ، والبيض ، والحبوب التي يتغذّى بها ، وإلى الحامض ، والمالح ، والحلو . وأصلح الأطعمة والأدم للاغتذاء ما لم يغلب عليه طعم من الطعوم ؛ لأنّ كلّ طعم غالب على شيء من الأغذية ، فهو دالّ على كيفيّة غالبة من الكيفيات ، إمّا حرارة ، وإمّا برودة ؛ « و » في غلبة شيء من هذه الكيفيّات دلالة على خروج مزاجه عن الاعتدال ، ولذلك لا يتهيّأ من إدمان أكل شيء من الأشياء التي تغلب عليها الحموضة أو الحلاوة أو الملوحة ما يتهيّأ من إدمانه من أكل ما له طعم عذب ، كالخبز ، واللّحم ، والحبوب التي يغتذى بها ؛ لأنّ هذه هي التي خلقت بالحقيقة

--> - كان أو جامدا ، وجمعه أدم ( المصباح المنير أد م 1 / 7 ) . ( 1 ) الحرافة : طعم يحرق اللسان والفم . وحرّيف ، بالتشديد : للذي يلذع اللسان بحرافته ، ( لسان العرب ح ر ف 9 / 45 ) . ( 2 ) القوام ، بالكسر : نظام الأمر ، وعماده ، وملاكه ( القاموس المحيط ق وم 2 / 1517 ) .