أحمد بن سهل البلخي

393

مصالح الأبدان والأنفس

المحكوم عليه بالضرر ، فإذا أعطوهم قووا - لشدّة الشهوة له - على هضمه واستمرائه ، حتى لا يتبين له ضرر . وأحوج الناس إلى تفقّد أمر الصنعة الذين ترقّ طبائعهم ، وتلطف منهم حاسّتا المشمّ والمذاقة ، من الملوك وأهل النعمة الذين جرت عادتهم بتناول الطعام الطيّب الجوهر ، الجيّد الصنعة ؛ فإنّ هؤلاء يوجدون مرتاضي حسن المذاقة بتمييز الأجود والأردأ من صنوف الأطعمة ، فمتى أحسّوا أدنى عارض من الفساد والتغيّر في الأطعمة التي تقدّم إليهم تكرّهوه وانقبضت أنفسهم عن تناوله ، وإن تناولوا شيئا / منه على كراهة له ، ونفار من الطبيعة عنه ، لم يحمدوا استمراءه ، ولم يأمنوا استحالته إلى كيفيّة ضارّة مولّدة لبعض العلل والأسقام . فأمّا الجفاة الطبائع والتركيب من أفناء « 1 » الناس وعوامّهم ، فليست بهم حاجة إلى الاستقصاء على أنفسهم في هذا لمعان : أحدها : جفاء التركيب . والثاني : عدم رياضة حسن المذاقة للألوان الطيّبة ، والقليل مما يلحق الغذاء من الصنعة كثير عندهم . والثالث « 2 » : أنّ حرارة أجوافهم ومعدهم « 3 » تكون قويّة ؛ لكثرة الحركة والمشي ، والاعتمال بالأعمال الشاقّة ، فإنّ الذين يعتملون ويتحرّكون كثيرا ويتكلّفون الأعمال الشاقّة تسخن أجوافهم بكثرة الحركة ، وتقوى منها القوّة الهاضمة ، فتستمرئ كلّ ما اغتذوه ، حتى يكادوا يناسبون في هذا الباب أصناف الحيوانات بتناولهم الخبز الفطير ، واللّحم الذي لا يناله من النار إلا الإشمام ، أو الشيء اليسير من النضج ، ثمّ لا يكادون يتأذّون / بما يتناولونه من

--> ( 1 ) أفناء : قال ابن الأعرابي : بها أعناء من الناس وأفناء . أي : أخلاط . الواحد عنو وفنو ، ورجل من أفناء القبائل ؛ أي : لا يدرى من أي قبيلة هو ( لسان العرب ف ن و 15 / 165 ) . ( 2 ) في أ ، ب : والثاني . والصواب ما أثبت . ( 3 ) في ب : ومعدتهم .