أحمد بن سهل البلخي

356

مصالح الأبدان والأنفس

فأمّا الوجه الثالث الذي هو الهرب من المواضع التي هي رديئة الأهوية والمياه ، فليس يهتدي أكثرها بذلك ؛ لعدم قوّة التمييز ، إلا أصناف منها ، مثل انتقال أجناس من الطير من المواضع الباردة إلى المواضع الحارّة ، وأجناس من السمك في تنقّل من مواضع من البحار لطلب السلامة والصحّة . 1 / 3 / 10 : وهذا الوجه الثالث يقلّ في الناس كما يقلّ في الحيوان ؛ وذلك أنّ أكثر تنقّلهم في البلدان إنّما هو بسبب الاتساع في المعاش ، والنجاة من مخاوف الأعداء والفتن . / فأمّا طلب الأفضل من المساكن والمياه والأهوية ؛ فقلّما يوجد فيهم من يعنى بذلك إلا الحكماء الذين كانوا يعتنون بمصالح أبدانهم . على أنّ ذلك أمر ليس يجد السبيل إليه الأكثرون من الناس ؛ من أجل أنّ اللّه - تعالى - قسّم البقاع المسكونة من الأرض بين مستوطنيها ، فوقعت لأهل كلّ بقعة منهم حصّة من هذه الأصول الثلاثة ، لا يتهيّأ لهم ، في الحكم الأعمّ ، الاستبدال بها ؛ لحاجتهم في ذلك إلى ترك أوطانهم والانتقال عنها . لكنّ اللّه - عزّ وجلّ - أقنع كلّا منهم بالحظّ الذي وقع له من كلّ واحد منها ، جيّدا كان أو رديئا ، وحبّب إليه وطنه بأيّة هيئة كانت ، لتكون البلدان معمورة بحبّ الأوطان ، فاستمرّت طبائعهم على ما يتنسّمونه من الأهوية ، ويشربونه من المياه ، وإن أثّرتا فيهم الآثار الرديئة في الهيئات ، والأمزجة ، والأخلاق . 1 / 3 / 11 : وتخيّر المساكن وإن كان / أمرا عسر المرام كما وصفناه ، فإنّه يجب مع ذلك على كلّ ذي تمييز ، ناظر لنفسه وبدنه - أن لا يدع الاحتيال في أمر مسكنه ، ومائه ، وهوائه من اصطلاح كلّ من ذلك بمبلغ جهده وطاقته ، مثل احتياله للماء ، [ إمّا ] بتغيير مائه إن كان رديء المزاج بما « 1 » يصلحه ، واحتياله للهواء بتطلّب الموضع الأجود من بقاع ناحيته ، فإنّه قد يوجد في المواضع الجزئيّة التي

--> ( 1 ) في ب : ما يصلحه . والصواب من أ .