أحمد بن سهل البلخي

336

مصالح الأبدان والأنفس

هذه الأشياء الطبيعية يوقف به على صحّة ما ذكرناه ، وهو أنّا نرى الصّغير ينشأ جزءا جزءا ، وذلك النّشوء هو الكون « 1 » والصّلاح « 2 » ؛ فلا يتبيّن مقدار ذلك النّشوء في الساعات ، ولا في الأيام ، ولا في الشهور . فإذا اجتمع القليل من أجزاء ذلك النّشوء إلى القليل في سنين كثيرة اجتمع منها قدر عظيم عند تمام الإنسان ، واستحكام قوّته ، ومصيره رجلا . وكذلك نراه عند الإدبار « 3 » يبلى قليلا قليلا ، وجزءا بعد جزء ، ولا يتبيّن أثر ذلك النّقصان في الساعات / ، والأيام ، والشهور ، حتى إذا أتت عليه السّنون أدّى المجتمع من تلك الأشياء القليلة إلى الفناء والهلاك . فالذي يفعله التدبير الصالح بالتّعهّد والصيانة ، والذي يفعله التدبير السيّئ بالإضاعة والإهمال في أمور البدن شبيه بذلك ، وقياس عليه . 1 / 1 / 4 : وإذا كان كذلك فأولى الأشياء أن « 4 » لا يغفل أمره ، وأن لا يهمل شأنه ، وأن يوفّى قسطه من التّعهّد والاستصلاح - بدن الإنسان الذي جعله اللّه رئيسا لكلّ ما في هذا العالم ، ومدبّرا سائسا ، فيبقي به ما يبقي سواه ، وبفساده يفسد جميع ما ملّكه وخوّله . وأحوج الناس إلى تقديم العناية بهذا الباب الملوك الذين منزلتهم من سائر النّاس في رئاستهم لهم ، وفضلهم عليهم - منزلة جميع النّاس من الحيوانات التي هي خول « 5 »

--> ( 1 ) الكون : الحدث كالكينونة ( الكليات ، القسم الرابع ، 126 ) ، أو حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن فيها ، أو استحالة جوهر إلى ما هو أشرف منه ( التوقيف 285 ) . ( 2 ) الصلاح : ضد الفساد ( التوقيف 218 ) . ( 3 ) أدبر الشيء : ولّى ( المعجم الوسيط د ب ر 1 / 269 ) . ( 4 ) في ب : بأن . ( 5 ) الخول : ما أعطاك اللّه - تعالى - من النّعم ، والعبيد ، والإماء ، وغيرهم من الحاشية ( القاموس المحيط خ ول 2 / 1317 ) .