أحمد بن سهل البلخي

118

مصالح الأبدان والأنفس

الرابع : « فإن اللّه - تبارك اسمه - خلق الإنسان وجميع الحيوان وسائر ما في هذا العالم تحت الفلك من الطبائع الأربع . . . فبتقاومها واعتدالها يوجد الصلاح والبقاء في كل واحد من الأشياء المكونة منها . . . » . ومثال ذلك أنه بعد أن تكلم على موضوع حفظ صحة البيئة من خلال المعطيات العلمية المتوفرة لديه ، لم يغفل الكلام على الحكمة من توزع البشرية في البقاع المختلفة الشروط ، وعدم تمركزها في منطقة محددة تكون أكثر ملاءمة ، على الرغم من تفاوت الشروط البيئية تفاوتا ملحوظا ، وبيّن أن الحكمة التي تكمن وراء ذلك إنما هي الحاجة إلى إعمار الأرض وتشييد الحضارات على وجه هذه البسيطة . وهذا ما يتناسب مع نظرته الفلسفية الإيمانية العميقة ، يقول : « من أجل أنّ اللّه - تعالى - قسّم البقاع المسكونة من الأرض بين مستوطنيها ، فوقعت لأهل كلّ بقعة منهم حصّة من هذه الأصول الثلاثة ، لا يتهيّأ لهم - في الحكم الأعمّ - الاستبدال بها ؛ لحاجتهم في ذلك إلى ترك أوطانهم والانتقال عنها ، لكنّ اللّه - عزّ وجلّ - أقنع كلّا منهم بالحظّ الذي وقع له من كلّ واحد منها ، جيّدا كان أو رديئا ، وحبّب إليه وطنه بأيّ هيئة كانت ، لتكون البلدان معمورة بحبّ الأوطان ، فاستمرّت طبائعهم على ما يتنسّمونه من الأهوية ، ويشربونه من المياه ، وإن أثّرتا فيهم الآثار الرديئة في الهيئات والأمزجة والأخلاق » ( 1 / 3 / 10 ) . وتتبدّى الحكمة عند البلخي في وحدة النظرة إلى الإنسان والكون ، ويتضح ذلك من خلال تعميمه للسنن الكونية ، فهو يرى مثلا أن الحاجة للتعهد لا تقتصر على بدن الإنسان ونفسه ، وإنما تعمّ كل شيء في الأكوان ، يقول : « وفي جملة القول إن كلّ ما في هذا العالم من شيء طبيعيّ أو صناعيّ فهو بهيئته معرّض للفساد والاستحالة ، ويحتاج حاجة ضروريّة إلى التعهّد والصيانة ليستدفع به عنه الفساد ، ويستبقى به في المدّة التي في طباعه أن يبقاها » ( 1 / 1 / 2 ) .