محمد بن زكريا الرازي
467
المنصوري في الطب
في حمّى الدقّ : متى ما بقيت الحمّى ثلاثة أيام فصاعدا ولم تنقلع ، وهي مع ذلك ليست قوية الحرارة واللهيب وليس معها الأعراض التي تكون في الحمّيات الحادة كعظم التنفس وشدة القلق والكرب ويبس اللسان وسواده ولكن دامت بحالة واحدة لا يستبين بها فترة ولا نوبة ، وهي مع ذلك فاترة ساكنة فإنها دقّ . واستبين أمرها أيضا بأن يطعم العليل في أوقات مختلفة . فإن وجدته يحمّ بعقب الطعام دائما فالحمّى دق لا محالة . وإن وجدت مع ذلك وجه العليل قد ضمر وعينه قد غارت ولحمه قد نقص وجلده قد قشف فإن الدّقّ حينئذ ليس أنها ابتدأت به فقط بل عملت فيه وبلغت إليه . وهذه الحمّى يبرأ منها في ابتدائها . وما دامت لم تضرّ به إلى حدّ الذبول . ومن أجل ذلك ينبغي أن يعلم علامات الذبول لئلا يشتغل في علاجه للطمع في برئه فنقول : إن من تأدّى من الدقّ إلى الذبول يلطو أصداغه لطا « 7 » شديدا وتغور عينه ويدقّ أنفه وينخرط وجهه وتصغر أذنه ويرقّ جرمه ويكون جلد جبهته متمددا كأنها جلدة قد جفّت على عظم . والوجه والبدن كله بتلك الحالة عار من اللحم . وتدقّ رقبته وتنتؤ حنجرته . وإذا أنت تفقدت عظام الصدر منه بالجسّ أو بالنظر أدركتها كلها بحدودها وبالجملة ، فليس بدنه إلا جلد وعظم ، ويكون الصوت منه دقيقا ضعيفا ، والقوة ساقطة البتة والنبض دقيقا ضعيفا غير أنه مع ذلك صلب وأوتاره ظاهرة لاضمحلال اللحم وفنائه . وعروقه كذلك ، وهي مع ذلك خاوية فارغة من الدم لاطية مطبقة لا يحتوي تجويفها على كثير شيء . وقد ذهبت النظارة والرونق عن أجسادهم البتة وقحل منهم الجلد ، وصار بمنزلة جلود المشايخ ، وتضمر بطونهم وتلطي حتى كأنها ليس فيها شيء . ويرقّ المراق منهم جدا كأنه جلد فقط ويتشنج مع ذلك ويقشف وربما ظهر عظام الرسغ والمشط والكوع منهم . وإذا بلغ البدن من النحول والنهوك إلى هذا الحد فليس إلى استصلاحه وردّه سبيل . فأمّا ما دامت فيه بقية من اللحم والدم والماء والرونق والقوة ، ولم يكن ما ظهر من هذه العلامات به قوية
--> ( يلطو أصداغه لطا ) كذا وردت الجملة في جميع النسخ . وصوابها : تلطأ أصداغه لطوءا أي تلصق أصداغه إلتصاقا . اللطء هو الالتصاق . فهو لاطيء .