محمد بن زكريا الرازي
37
المنصوري في الطب
وذلك أن رجلا سقط عن دابته ، فصكّ بعض فقراته حجر ، فحدث على الرجل بعد مدّة عسر حركة في بعض أصابع يده ، وكان الأطبّاء يضمّدون تلك الأصابع ويضعون عليها الأدوية ، فلا يتبين لها أثر نجاح « 23 » . فأخذ جالينوس تلك الأدوية بأعيانها فوضعها على موضع تلك الفقرات التي منها مخرج العصب إلى تلك الأصابع . فأنجحت في أسرع وقت . وأول مبادئ الأعصاب الخارجة من الدماغ والنخاع تكون لينة شبيهة بالدماغ والنخاع ، ثم أنها تصلب متى تباعدت عنها حتى تصير عصبا تاما . فجملة منافع الأعصاب أنها الآلة والطريق الذي يتأدّى وينفد فيه الحس والحركة إلى الأعضاء ، وذلك أنه إن شدّت أو قطعت عرضا بطل عن العضو الذي يجيئه إما الحس وإما الحركة وإما كليهما . وإن شدخ النخاع أو بتر عرضا بطل عن الأعضاء التي منبت عصبها دون ذلك القطع الحس والحركة البتة . وإن وقع القطع في طول النخاع لم يضر ذلك ، وكذلك إن وقع في طول العصب « 24 » . وأما الواقع منه بالعرض فإنه يبطل به من الفعل بمقدار إمعان القطع في الجانب الذي يقع فيه . وأما الدماغ فمع أنه ينبوع الحس والحركة الإرادية وهو أيضا على رأي جالينوس معدن التخيّل والفكر والذكر ، ويكون التخيل منه بالبطن المقدم والفكر بالبطن الأوسط والذكر بالبطن المؤخر « 25 » ، وجعل الخالق عز وجلّ القلب معدنا وينبوعا للحرارة الغريزية ومنه يكتسب سائر البدن وينال الحرارة بالشرايين التي تنبت منه وتتصل بالأعضاء . فأي عضو عدم الشرايين التي تجيئه ، خدر وعسرت حركته وحسّه ، ثم إنه يفقدهما البتة ويبرد ويصير في حكم
--> طريقة عمل بعض الأعضاء مثل الكلية وغيرها . وعلاقة الحبل الشوكي بحركات الجسم وطريقة عمل التنفس والنبض . ( 23 ) جاءت الكلمة في جميع النسخ ( أثر نجح ) . ( 24 ) وذلك لأن العصب يتألف من مجموعة من الألياف الطولية . ( 25 ) البطن المقدم هو المعروف تشريحيا باسم ( المخ ) . والبطن المؤخر هو ( المخيخ ) . والبطن الأوسط هو ( المخ المستطيل ) .