محمد بن زكريا الرازي
87
منافع الأغذية ودفع مضارها
ماء القطر « 1 » وأما ماء القطر فسريع النزول عن المعدة والنفوذ إلى الأعضاء والخروج بالعرق والبول ، إلّا أنه سريع التبخير إلى الرأس ، ولذلك يضر في هذه الحالة بالذين تمتلئ رؤوسهم سريعا وتظلم أعينهم ويسرع إليهم الزكام والنزلة . ماء المطر « 2 » وأما ماء المطر فمريء « 3 » ، حلو ، خفيف ، سريع النزول عن المعدة . إلّا أنه متهيىء للعفونة ، ولذلك تكون مائية الدم الكائنة منه متهيئة للتعفن وإشعال الحميات . فلذلك ينبغي أن يجتنبه المتهيئون لعفن الدم وتولّد الحمى ، ولا سيّما في زمان الخريف ، فإنه أشر ما يكون هو في نفسه في هذا الوقت ، وأشد ما يكون أيضا استعدادا للعفونة في هذا الوقت . فمن اضطر إليه فليشربه بالسكنجبين « 4 » الساذج الحامض ، فإن ذلك يدفع مضرّته هذه . وقد كنا ذكرنا قبل المضار الحادثة من شرب الماء الغير البارد بأنه يهيج الأحشاء ، ويصفر اللون ، ولا يبلغ من تسكين العطش مبلغ البارد ، فيحوّج لذلك إلى الاستكثار منه فيصير بكميته أكثر ضررا . فمن اضطر إلى ذلك فليميل أغذيته إلى الحموضة فيجعلها من المتخذة بالخل والرائب الممخض وحماض الأترج « 5 » والمصل ونحو ذلك ، ويشرب عليه ربوب الفواكه الحامضة ، ويتحرى ويتطلب المراقد والمساكن الباردة والرطبة النزهة ، ويحذر التعب والأكل من الحلو والمالح والقشف « 6 »
--> ( 1 ) ماء القطر : هو ماء المطر قال أبو زيد : الغيث : اسم للمطر كله وجماعة الغيوث ، ونقول : قد اسبلت السمار حين يخرج المطر من السحاب ولم يصل إلى الأرض . والورق : المطر . . الخ . . ( 2 ) ماء المطر : نقول : آن جسم المطر وألظّ وألثّ وأدجن وأغضن وأغبط : إذا دام أياما لا يقلع ، قال ابن دريد : يوم راضب : أي دائم المطر ويقول أبو زيد : ليلة نطوف : أي ليلة ماطرة حتى الصباح ، ويقول صاحب العين : البسار بكسر الباء : مطر يدوم على أهل السند في أيام الصيف لا يقلع عنهم ساعة فتلك أيام البسارة . . الخ . . ( 3 ) مريء : سهل الهضم سلس النزول إلى المعدة . ( 4 ) السكنجبين : سبق شرحه . ( 5 ) الأترج : سبق شرحه . ( 6 ) القشف : نقول رجل قشف : إذا لوحته الشمس أو الفقر فتغير وبابه طرب ، ويقال : أصابتهم من العيش قشف . والمتقشّف : الذي يتبلغ بالقوت وبالملبس والسكن .