محمد بن زكريا الرازي

303

منافع الأغذية ودفع مضارها

كل واحد منهم على مقدار كفايته من لهنته هذه ، ولا يتجاوز بها فتمنعه من الغذاء والجوع . وأحوج ما يكون إليها الناس في الأسفار ، والأزمان الحارة ، فإذا هم فعلوا ذلك ، اشتهوا الطعام وهضموه هضما أجود . وإذا لم يفعلوا ذلك ، لم تصح بهم شهوتهم يومهم ، ولم يزالوا في غثي وكرب إلى أن يتقيؤا وتلين بطونهم ثم تعاودهم الشهوة . وينبقي لمن حدث به ذلك منهم ، أن يسقوا الجلاب ، أو سكنجبينا ، أو ماء حارا ، أو يتحسوا بعض الأمراق التي لا قبض فيها ولا حموضة ، ويتمشوا حتى يتقيؤا وتنزل طبائعهم ، ثم يسكنوا حتى يعاودوا الشهوة ، فيأكلوا حينئذ . وأكثر هؤلاء قضاف « 1 » ، نحاف ، سمر ، صفر . في عدد مرات الأكل وتدبيرها بحسب أمزجة الأبدان الذي جرت به العادة في مرات الأكل على الأمر الأكثر ، الأكلة والأكلتان في اليوم ، أو ثلاث أكلات في يومين . فمن كان إذا أكل أكلة واحدة في يوم وليلة ضعف عليها ، واضطرب نومه ، واحمر بوله ، ووجد بعد انحدار الطعام عن معدته كأنه خاوي البطن محتاج إلى شيء يوعم « 2 » أحشاءه ، فليأكل مرتين . وليقسمهما بحسب ما ذكرنا قبل ، ويجعل أكثرهما كمية وأقواهما إغذاء العشاء . ومن كان إذا تعشى يوم غذائه تقلبت نفسه ومعدته ، وعسر نومه ، وأصابه شيء

--> ( 1 ) القضاف : قضف قضفا وقضافه : نحف ودق فهو قضيف . والجمع منه قضاف وقضفان وقضفاء والقضف : الحجارة الرقاق . والقضيفة من النساء : الممشوقة ذات الخصر الرقيق الجميل . والقطفة : طائر كالقطاة . والمقصود هنا بالقضاف : ما نحف ورقّ من الأجسام . ( 2 ) يوعم : ذكر الأزهري عن يونس بن حبيب أنه قال : يقال : وعمت الدار أعم وعما : أي قلت لها أنعمي . وسئل أبو عمرو بن العلاء عن قول عنترة : « وعمي صباحا دار عبلة واسلمي » . فقال : هو كما يعمي المطر ويعمي البحر بزبده ( وأراد كثرة الدعاء لها بالاستقاء وعم بالخبر وعما : أخبر به ولم يخقه . والوعم : خطة في الجبل تخالف سائر لونه والجمع وعام . نقول عاومه معاومة وعواما : أي استأجره لمدة عام . والمعاومة : أن يحل دينك عن رجل فتزيده في الأجل ويزيدك في الدين . وعوّم الكرم تعويما : أي كثر حمله عاما وقلّ آخر . والعوم : السباحة وفي الحديث « علموا صبيانكم العوم » وقال الراجز ( وهنّ بالد ويعمن عوما ) . ومنه الفعل ( يوعم ) إشارة إلى إمتلاء المعدة بالطعام .