محمد بن زكريا الرازي

296

منافع الأغذية ودفع مضارها

في الاحتراس من الأدوية المغلظة والأخذ بالحزم في أمرها الأجود والأجزم في دوام حفظ الصحة أن يكون الإنسان إذا أخذ الأدوية المغلظة والمسددة مدة طويلة ، أن يستعمل الأدوية الملطفة والأغذية القليلة الإغذاء مديدة ، وإن لم يكن قد أحسّ بضرر من المغلظة . فأما إن أحس بذلك ، فإن استعمال الملطفة في الأبدان النحيفة أقل منها في الأبدان العبلة الغليظة ، والسلام . في اختيار الأغذية بحسب قوة الهضم في البدن وأنه ينبغي في دوام حفظ الصحة أن يغذي القوي الهضم بالكثير الإغذاء وبالضد ينبغي أن يتفقد حال المتغذي في قوته ، وخصبه ، وهضمه . فمن وجدته خصب البدن ، كثير الدم ، قوي القوة ، جيد الهضم والشهوة والاستمراء ، غذوته بالأغذية الغليظة والكثيرة الغذاء كلحوم البقر والحملان ، والخبز السميذ ، والبيض المسلوق والمشوي ، والكباب . ومن وجدته منهوكا ، غير قوي الشهوة والهضم ، غذوته بالأغذية الرطبة السهلة الانهضام ، كالبقول واللحوم اللطيفة ، والرطبة القوام كالأمراق والأحساء . في أن الطعام الواحد في النوع يخصب البدن ولا سيّما إذا فرق عليه ولم يؤخذ منه ضربة واحدة مقدار كثير بل في مرات كثيرة والأطعمة المختلفة النوع تهزل ولا سيّما إذا أخذ منها مقدار كثير في ضربة واحدة إذا كان الطعام واحدا في النوع ، وأخذ منه قليلا قليلا في مرات كثيرة ، استولى عليه الهضم ، ونفذ أكثره في العروق ، وقلما ينزل منها بالثفل ، فيخصب عليه البدن ويسمن . وإذا كان مختلف النوع ، وأخذ منه في دفعة شيء كثير ، نزل أكثره في الثفل ، ولم ينفذ في العروق منه شيء كثير . ومن أكل ذلك يكون الأول تدبيرا مسمنا « 1 » ، والثاني تدبيرا مهزلا . في ذكر تدبير حميد جيد يجري علينا من الغذاء كل يوم وليلة من جيد تدبير الغذاء إذا واتت القوة والفراغ ، أن يقسم الغذاء في اليوم والليلة على الثلث والثلثين . فيغتذي بالثلث في أول النهار ، وقبل أن يمضي منه ساعات كثيرة .

--> ( 1 ) السمنة : عكس النحافة والهزال .