محمد بن زكريا الرازي

290

منافع الأغذية ودفع مضارها

وربما اتفق أن يحمض الطعام ويورث جشاء حامضا . في ذكر جملة في مقدار الرياضة النافعة والرياضة المذبلة أصحاب التعب والرياضة بالحركة والأعمال القوية أسرع هضما للأغذية ، وأقل أمراضا . لكنهم ، مع ذلك ، أسرع إلى الذبول والهرم . ولذلك ينبغي للمتفرغ لنفسه أن يستعمل من الرياضة بمقدار ما يذكي الحرارة الغريزية ، ولا يبلغ إلى أن يتعب ويعيا « 1 » فإن في ذلك نفض الفضول مع بقاء الرطوبة الأصلية على الأعضاء التي شأنها أن تبطىء بالهرم . في ذكر جملة في استعمال الأغذية اللطيفة والغليظة على الصواب بحسب حال البدن من تعبه أو راحته من يتعب أو يكدّ إن أدمن الأغذية اللطيفة الغذاء باضطرار أو اختيار ، ينهك بدنه ، وأسرعت إليه الأمراض المرارية ، وتأدى به الدق والذبول « 2 » سريعا . ومن كان ساكنا بطالا إن هو أدمن الأغذية الكثيرة الإغذاء ، أسرعت إليه السدد ، والحصاة ، وأوجاع المفاصل ، والحميات الامتلائية ، ونفث الدم ، وانشقاق العروق ، والخراجات العظيمة ، والأورام في الأحشاء ، ونحوها من الأمراض . ولذلك يجب أن يجعل الطعام في غلظه ورقته ، وكثرة إغذائه وقلته ، ولزوجته وهشاشته ، وسرعة تحلله وبطئه ، بحسب حال البدن في حركاته وسكونه ، وتعبه وراحته ، وكثرة التحلل منه وقلته . فيما يحفظ على كل مزاج من أمزجة الأبدان صحته من الأغذية الأبدان المعتدلة في الحر والبرد والرطوبة واليبوسة ، يحفظ عليها صحتها الأطعمة المعتدلة في هذه الكيفيات . والأبدان المطبوعة على غير الاعتدال ، يحفظ صحتها الأطعمة الشبيهة بأمزجتها ، ما دامت صحيحة . فيحفظ على البدن الحار اليابس صحته ، الغذاء المائل عن الاعتدال إلى الحر

--> ( 1 ) الاعياء : من القيء : ( ضد البيان ) . ويعيي ويعيا بوزن رضي ويرضى فهو يحيى من الأعياء . إذا لم يهتد لوجهه من شدة التعب والارهام ، ومنه ( أعياه أمره ) وداء عياه : أي صعب لا دواء له كأنه أعيا الأطباء . ( والمعاياة ) : أن تأتي بشيء لا يهتدى له . ( 2 ) الدق والذبول : شدّة النحافة والهزال ، وفيهما يبدو الانسان كأنه سقيم فتقل حركته ويشحبب وجهه ، ويظهر عليه الاعياء الدائم .