محمد بن زكريا الرازي

279

منافع الأغذية ودفع مضارها

ولا يقتر على الطبيعة من الأغذية في حال الصحة ، بل يوفي حقها وتدرج إلى أن يحتمل الزيادة منها ، فإن خصب البدن من اللحم زيادة في الصحة ما لم يبلغ إلى أن يفرط ويمنع من الحركات . فليجتهد كل أحد في ذلك كل الاجتهاد ، فإن هذا ركن جليل من أركان حفظ الصحة . ويحتاج في استقصائه وإيضاحه إلى كلام كثير ، وقد أفردنا لذلك مقالة وسمناها « 1 » في أن الحمية المفرطة ضارّة بالبدن ، ولذلك لم نر أن نطيل هاهنا الكلام في هذا المعنى ، وأرشدنا إلى المقالة التي ذكرناها لقصد المعنى باستتمام هذا الغرض . في علاج التخم ودفع مضارّها الطعام يفسد في المعدة متى عرض بعده جشاء منتن ذهك « 2 » حاد ، وأصيب في الحلق شبيه بطعم الدخان وشيء كان فيه مرارة مع عفوصة . فلينتظر ، فإن كان ذلك إنما حدث بعقب أكل من عسل أو حلواء معسلة ، أو بيض مطجن ، أو طباهجة مطجنة ، أو نمكسود شديد اليبس ، أو مطجنة كثيرة المري ، أو أزر ، أو اسفيذباجة متشيطة ، أو كواميخ مالحة ، أو بقول حريفة كالكراث والبصل والباذروج « 3 » ، أو طعام دقت فيه فضل

--> ( 1 ) الوسم : الوسم والوسمة من وسم : أي آثر فيه بسمه ، والعظام يختضب به والوسمي : مطر يهطل في أول الربيع ، والميسم : الجمال وتأتي بمعنى المكواة . نقول : فلانا وسيّما ، اي حسن الوجه جميلا . وتوسمت به الخير : أي تفرست . واتسم الرجل : جعل لنفسه سمة يعرف فيها . وهذا المعنى الأخير هو الذي قصده الرازي في هذا الباب . ( 2 ) الذهك : السيء الطعم والرائحة ، نقول : جشاء ذهكا ، اي جشاء له رائحة غير مستحبة . فيه إنتان وحموضة ومرارة . ( 3 ) الباذروج : هو بقلة تستنبتها النساء في البيوت ، وقد ينبت بنفسه في العربية يسمى ( الريحان الأحمر ) وبعضهم يسميها ( السليماني ) واسمه باليونانية ( افيمون ) وبالعبرية ( حوك ) ، عريض الأوراق مربع الساق حرّيف ( لكن غير شديد الحرافة ) يقول عنه الشيخ الرئيس ابن سينا : « قوته في قوة دهن المرزنجوش ، ولكنه أضعف منه ، فيه قبض وإسهال وفيه تحليل وانضاج ونفخ ، ويسرع إلى التعفن ، ويولد خلطا رديئا سوداويا ، وبزره ينفع من يتولد فيه السوداء ، عصارته قطور نافع للرعاف لا سيما بخل وخمر ، فتيله يذهب بالضرس ، ينفع من ضربان العين ضمادا ، ويحدث ظلمة العين مأكولا ، وعصارته تقوي العين كحلا ، يقوي القلب جدا ، ويجفن الرئة والصدر ، يدر اللبن ، يوضع على لسع الزنابير والعقارب وتنين البحر .