محمد بن زكريا الرازي
266
منافع الأغذية ودفع مضارها
ويكرهه . لكن حين يسكن جل شهوته له وتبقى معه بقية منها ، ولا يصيبه بعده ثقل شديد وتمدد في معدته ، يضيق معه النفس أدنى ضيق ويشتاق إلى أن يخف ذلك عنه بقيء أو نزول وتنويم ، ويستلذ الانتصاب ، وبقلق إذا اضطجع ويضطر إلى كثرة التقلب ، ويتجشأ من بعده جشاء حامضا ، ويكون متى تجشأ ارتفع الطعام معه إلى أقصى الفم حتى يحتاج إلى أن يتقيأ . فإن هذه العلامات إذا عرضت من غير أن يكون قد وقع سرف في الشرب من ماء أو فقاع أو فاكهة رطبة كثيرة ، أو الأكل من الجبن الرطب أو اللبأ أو اللبن ونحو ذلك ، دلت على أن الطعام مقداره زائد على ما يمكن أن يستولي عليه الهضم . وإذا عرض مثل هذا في يوم ، وكان التمدد والشوق إلى خف البطن شديدا جدا ، فينبغي أن يقذف من ساعة أكله ، ثم يأكل من بعد نوم طويل إن عاودت الشهوة أكلا يسيرا ، ومن طعام خفيف قليل الإغذاء . وإذا أمسك عن الطعام ، وفي الشهوة أدنى بقية ، ولم يحدث في المعدة تمدد ، وسهل النوم وطاب ، وخرج الجشاء بسهولة وهو طيب ، فإن مقدار الطعام يستولي عليه الهضم . وحينئذ ينبغي أن يتدرج إلى التزيد إن أمكن ذلك كما قلناه لأن ذلك يزيد في لحمه ودمه وقوته . وبالضد ، فإن النقصان في هذا المقدار ينقص ما ذكرنا ، ويضعف وينهك عليه البدن ، ويمكن ذلك مع سن الصبى والشباب ، وما دام الكهل قوي الاستمراء ، وفي البلد البارد الجيد الماء ، وفي الزمان البارد ، وإدمان الراحة بعد الطعام والحركة قبله . فهذا هو الحد النافع في مقدار الطعام . فما زاد عليه أفسد الهضم ، وأورث أمراضا على الأيام دموية وبلغمية في الأكثر . وما نقص عنه حتى يكون المغتذي في أكثر أوقاته كالجائع ، فإنه يفسد الهضم أيضا فساد تشيط واحتراق ، وينهك البدن ، ويتولد منه على الأيام أمراض مرارية . وقت تناول الغذاء وأما وقت تناول الغذاء فينبغي أن يكون بعد أن تتحرك الشهوة حركة مستلذة مستبانة ، وينصرف الطعام الأول ، وتهش النفس للطعام الثاني وتشتاق إليه بنصف ساعة أو ساعة ، ولا يجاوز ذلك ساعتين ، وبعد النوم الأطول وخروج ثفل الطعام المتقدم وفقد جشائه . وعلى أن الشهوة لا تتحرك إلّا بعد ذلك في أكثر الأمور ، والعماد عليها . فإنه إن وقع تناول الغذاء قبل هذا الوقت ، فسد الهضم بمقدار الحاجة إلى تأخيره ، ومال