محمد بن زكريا الرازي

238

منافع الأغذية ودفع مضارها

ذلك ، فيكون المرار المتولد منه أحد ، ونفوذه أسرع . ومن أجل ذلك أقول إنه ينبغي أن يكون قصد آكل مثل هذا البطيخ أن يمنع سرعة استحالته ، وأن يحدده سريعا قبل أن ينفذ منه شيء في العروق . وذلك يكون بأن يشرب عليه السكنجبين مجردا حامضا ، ويتمشى مشيا رفيقا طويلا ، ولا ينام على الجنب الأيمن البتة حتى تنزل الطبيعة ، وإن أبطأ نزولها أكل عليها السكباج والحصرمية ونحوها ، وامتص الرمّان الحامض ونحوه ، فإن ذلك يمنع استحالته إلى المرار . وشرّ ما يكون إذا أخذ منه على جوع شديد صادق ، ثم لم يؤكل بعده بسرعة ، ولم يؤخذ عليه شيء مما وصفناه ، بل نيم عليه ، فإنه عند ذلك لا يكاد يخطئ أن يهيج حمى من قرب ، اللهم إلّا أن يكون الإنسان مبرودا جدا . وليس يحتمل أن يصرف ما قال يحيى بن ماسويه إلى شيء من أنواع البطيخ إلّا إلى الحامض منه والعفص . لكن لا ينبغي أن يترك مثل هذا الموضع بلا تمييز ولا تفصيل ، فإنه كما أن البطيخ الهندي مستعدّ لأن يصير بلغما حلوا من وقته ، ولذلك لا أنفع لأصحاب الحميات المحرقة والملتهبين منه ، كذلك البطيخ الحلو النضيج متهيء لأن يصير مرارا أصفر من قرب ، ثم له مع ذلك سرعة نفوذ إلى العروق . وقد عملت في هذا المعنى مقالة صغيرة وسمتها في إيضاح خطأ جرير الطبيب فيما زعم أني أخطأت فيه مشورتي على أحمد بن إسماعيل بتناول التوت الشامي بعقب البطيخ . والبطيخ ينقي الكلى والمثانة ، وينتفع به من يعتاده تولد الحصى في كلاه . وينبغي لهؤلاء أن يجتنبوا أن يأكلوا معه جبنا أو لبنا أو خبزا فطيرا ، لأنه يسرع ببذرقة هذه الأشياء إلى الكلى ، وليشربوا علبيه الجلاب إن كانوا مبرودين ، والسكنجبين إن كانوا محرورين . وأما من كان ملتهب المزاج جدا فإني أشير عليه أن يتجرع بعده الخل . البطيخ المز « 1 » وأما البطيخ المستطيل الحامض ، وإن كان لا يستحيل مرارا ، فليس يحتاج أن يشرب عليه الشراب ، ولا يؤخذ عليه الجوارشن ولا الكندري . وذلك أن هذا البطيخ لا يؤكل للاستلذاذ ، بل يتداوى به المحرورون والمحمومون والملتهبون ، وهم ينتفعون

--> ( 1 ) البطيخ المز : نوع من أنواع البطيخ ثمره مستطيل وحامض ، يؤكل للاستلذاذ ، ويتداوى به المحرورون والمحمومون والملتهبون .