محمد بن زكريا الرازي

232

منافع الأغذية ودفع مضارها

وبالجملة ، فلينظر عند دوام الإسهال الكائن بعقب الإكثار من الفواكه الرطبة ، فإن كانت الخلقة « 1 » صفراء اللون ومحرقة ملذعة للمعدة ، وكان بصاحبه عطش ولهيب ، فليعط العليل الدواء المتخذ ببزر الحماض ويغذّى بالأشياء الحامضة القابضة . وإن كانت الخلقة بيضاء دكناء مع نفخ وقراقر كثيرة وجشاء حامض وفقد العطش ، فليعط العليل جوارشن الحوري وسفوف الكرويا وحب الرمان الحامض والدواء الكندري العاقل للبطن . الكندري « 2 » وهذه صفته : يؤخذ من الكندر الحسن وزن عشرة دراهم ، ومن السعد « 3 » وزن درهمين ، ومن بزر الكرفس وزن درهمين ، ويستفّ من الجميع وزن ثلاثة دراهم ، ويشرب عليه أوقية من الميبة « 4 » ، وإن لم تحضر الميبة أخذ شراب عتيق قوي فصبّ عليه مثلاه ماء السفرجل ، وغلي عليانا جيدا وأخذت رغوته ، ثم شرب بهذا الدواء . وهو دواء جيد يقوي المعدة ويحبس الخلقة ، ولا سيّما إن طيب بعود ومصطكى وزنجبيل ، وينفع حينئذ من سوء الهضم والجشاء الحامض ، ويسخن المعدة الباردة ويقويها حتى تنضم على الطعام انضماما محكما . فيجود لذلك الهضم ، ويقوى الكبد ، ويسخنها ويعينها على جذب الغذاء . وهو بالجملة شراب نافع بإذن اللّه ، ولا سيّما للذين يسقط النبيذ شهوتهم للطعام ، فإن هؤلاء إن لم يشربوا إلّا هذا الشراب كان أصلح لهم .

--> ( 1 ) الخلق : الخلق : التقدير . يقال : خلق الأديم ، إذا قدره قبل القطع وبابه نصر والخليفة : الطبيعة . والجمع خلائق ، يقال : هم خليفة اللّه ، وهم خلق اللّه وهو في الأصل مصدر ، والخلفة : الفطرة . نقول : فلان خلقي بكذا : أي جدير به ، ومضفة مخلّقة : أي تامة الخلق ، وخلق الأفك من باب نصر واختلفه وتخلّقه : افتراه . ومنه قوله تعالى : ( وتخلقون إفكا ) والخلق بضم اللام وسكونها : السجية . والخلاق بالفتح : النصيب ومنه قوله تعالى : « لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ » وثوب خلق : أي بال والخلوق : ضرب من الطيب ( وخلقه تخليقا ) طلاه به فتخلّق . ( 2 ) الكندري : سبق شرحه . ( 3 ) السعد : نبت يشبه شجر السّمن جنس أشجار من فصيلة الورديات تنبت في الجبال ونادرا في الأدغال والأحراج أزهارها بيضاء صغيرة نجمية الشكل أثمارها كروية صغيرة كالحمصة صفراء أو مرجانية اللون ووحيدة النواة . وقيل هو نبت يشبه الكندر والكندر هو اللبان واللبان بالضم هو الكندر والصنوبر وفي لسان العرب أيضا : ان الكندر ضرب من العلك . واللّه أعلم . ( 4 ) الميبة : سبق شرحها .