محمد بن زكريا الرازي

126

منافع الأغذية ودفع مضارها

فإنه بهذا التدبير يمكن أن يسلم من اضطر إلى إدامة لحم المعز ، ولحم الضأن أوفق له ، وهم أصحاب الأمزجة المائلة عن الاعتدال إلى البرد من أن تشبكهم الرياح ، وتنعقل بطونهم ، وتنهك أجسامهم ، وتضعف قواهم . ويسلم من أكل لحوم الضأن ، ولحم الماعز أوفق له ، من أن يهيج به الحميات ، وتثور به الخراجات « 1 » والدماميل ، والأمراض الحارة . لحوم الجداء والحملان وإذ قد ذكرنا في لحوم الضأن والماعز ما ذكرنا ، فقد بان منه الأمر في لحوم الجداء والحملان . غير أن لحوم الحملان أرطب من لحوم الضأن ، بحسب قرب عهدها بالولادة . وكذلك الجداء أرطب من لحوم المعز ، إلّا أن لحم الجداء مختار موافق لأهل الترفة « 2 » والدعة ، وذلك أنه قليل الفضول معتدل في الحر والبرد والرطوبة واليبس ، فهو أوفق لهم من لحوم الحملان « 3 » إذ كان لا يسرع بالامتلاء ولا يضعف عليه القوة أيضا ، ولا ينهك البدن ولا سيّما في الأزمنة والبلدان الحارة . لحم البقر فأما لحوم البقر فيتولد منها دم غليظ متين وليس باللزج جدا ، وهو يصلح لمن يدمن الكدّ والتعب ، ولا يصلح إدامته لغيرهم . وإن أدمنه من ليس بموافق له أورث غلظ الطحال والدوالي والسرطان ، ونحوها من الأمراض المتولدة عن الدم المائل إلى السوداء . ولذلك ينبغي أن يدفع مضار هذه من يدمن هذا اللحم بالتعهد لإسهال السوداء ، ولا يتعرض لإدرار البول ، ويجتنب الشراب الأسود الغليظ خاصة ، ويشرب الرقيق المائي القهو في حال التهابه ، والرقيق الأصفر في حال سكون بدنه .

--> ( 1 ) الخراجات ( والمخرج ) : من ( خرج ) موضع الخروج نقول : أخرجه مخرج صدق وهذا ( مخرجه ) والاستخراج كالاستنباط . وهنا الخراجات . داء أو مرض يصيب الجلد على شكل دنابل أو دمامل أو بثور تمتليء بالصديد وتحتاج لوقت أطول كي يشفى منها المريض ، لأنها تعمّل : أي يخرج صديدها ثم يتكون مرّة ثانية وثالثة وربما إذا كانت شديدة تركت آثارا لها بعد شفائها . ( 2 ) الترفة : نقول : أترفته النعمة : أطفته . والترفاس : نوع من الفطور في صحاري آسيا وأفريقيا ، يعيش تحت الأرض ، ويشكل طعاما لذيذا ، والمقصود هنا بأهل الترفة : أهل السعة والنعم والمال الوفير . ( 3 ) الحملان : الخراف الصغيرة من الماشية .