محمد بن زكريا الرازي

91

المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )

من نفس الدماغ ومن الغشائين المجوفين الملفوفين عليه كليهما وتأتيهما أيضا شعب من العروق التي في الغشائين مع أن أصحاب الشقيقة بعضهم يجد الوجع خارجا من القحف وبعضهم يجده يبلغ إلى عمق الرأس . والحد الفاصل بين شقي الرأس أعني الشق الأيمن والأيسر هو الدرز الممدود في الطول الذي يستبطنه من داخل عظم الرأس الخط الذي يقسم الدماغ في وسطه وهو الخط الذي يصعد إليه الحاجز الذي بين البطنين المقدمين من بطون والدماغ والطبائع الموافقة من الموافقة من طبائع الأبدان تملأ الرأس هي طبائع الأبدان التي تتولد فيها من رياح بخارية حارة ويجتمع في فم المعدة فضول مرارية والوجع الحادث عن الريح يكون وجعا يمدد تمددا لازما . 11 - [ فأما الوجع الحادث عن الفضول المراريّة ] فيكون وجعا لذاعا وأما الوجع الذي يكون عن كثرة الأخلاط فتحس معه صاحبه بثقل وما كان منه مع حمرة وحرارة فحدوثه عن كثيرة الخلط الحار وما لم يكن معه حمرة وحرارة فحدوثه عن أخلاط غير حارة . ومن الناس قوم يعرض لهم الصداع المتوالي إذا هم أكثروا من شرب الشراب فضل قليل أو شربوه قليل المزاج ولا سيما إن كان طبع الشراب حارا في نفسه ويعرض لهم ذلك أيضا من جميع الروانح الحارة والأفاوه الحارة وبعض الناس يعرض لهم الصداع ووجع الرأس لسبب فضل حس لهم كما يعرض ذلك في فم المعدة بأن فم المعدة في كثير من الناس يكون به من ذكاء الحس حدا ما لا يصبر معه على الخل الحاذق وعلى الخردل ونحوه وفم المعدة في بعض الناس قريب من أن يكون لا حس له . فمن ذلك أنّا نجد أقواما يتجشئون أو يتقيئون أشياء ردية الكيفية جدا حتى لا يقدروا أحد ممن يشمها أن يصبر على رائحتها ونجد من يتجشأ ذلك أو يتقيأه لا يحس من اللذع شيء له قدر . فقد يمكن على هذا أن يكون الدماغ أيضا مختلفا في الناس مثل هذا الاختلاف حتى يكون روائح بأعيانها لا يكاد يحس إذا ما بعض الناس ويشتد بأذى بعضهم بها .