محمد بن زكريا الرازي
78
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
4 - [ والأعراض التي تعرض في الفكر ] هي أيضا نظائر هذه الأعراض منها ما يكون كأنه بطلان الفكر وذلك إذا عدم المرء عقله أصلا ومنها ما هو نقصان الفكر حتى يتخيل شيئا ومنها ما يكون بحركة مضطربة من الفكر مثل الوسواس الذي يعدم صاحبه التمهر وربما شملت الآفة الذهن والتخيل وربما لم يشملها كما عرض لرجل أنه كان يعرف من حضره معرفة صحيحة ويكلمهم كلاما مستويا غير أنه كان يظن أن معه في البيت طبالين يسئل دائما أن يخرجوا عنه . يدل هذا على صحة ذكره ونقصان تمهره وأن الآفة في تخيله . وقد عرض لآخر ضد ذلك فكان تخيله صوابا وتمهره غير صواب وذلك أنه كان في غرفة لها أبواب إلى الطريق ففتح أبوابها ورمى بما فيها إلى الصبيان وهو يسمّى اسم شيئا شيئا من تلك الأواني باسمها . فيدل على أن تخيله كان صحيحا وأن فكره غير صحيح وربما كان الاختلاط عن حميات محرقة وعند ذلك يخيل إلى صاحبه أنه يرى شبيها بما يراه من يجتمع الماء في عينيه وربما كان ذلك عن علة متمكنة في الدماغ وربما كان الاختلاط من بخار يترقى إلى الرأس من مرار تحويه المعدة . فإن كان من نفس الرأس كان الاختلاط ثابتا لا يسكن بحالة وكانت تلك العلة تسمّى سرسام إذا كان المرار الذي في الدماغ من جنس المرار الأصفر وإذا كان من جنس المرار الأسود فإنه يحدث عنه الجنون السبعيّ وإن لم يكن ذلك الخلط من مرار أسود بالحقيقة ولكن خلطا سوداويا حدث عنه الوسواس السوداوي الذي يسمّيه اليونانيون ماناخونيا وهذا الوسواس يكون على ثلاثة أوجه أما أن العلة متمكنة في نفس الدماغ أو في أمه وأما من علة في فم المعدة وما يليها مثل الذي يصيب أصحاب العلة التي تسمّى علة الشراسيف وأما أن يكون يبتدئ من عضو من الأعضاء والعلة التي تحدث عنها الوسواس السوداوي وهي متمكنة في الدماغ ربما كانت من مزاج بارد يابس قد غلب عليه وربما كانت مادة يجري إليه باردة يابسة .