محمد بن زكريا الرازي
72
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
والعظم والغضاريف والأغشية وسائر الأعضاء تصورا خفيفا وكلما أزدادت يبسا كملت فيه صورة تلك الأعضاء وتبينت . فإذا ولد الحيوان لم يزل أيضا يزداد يبسا إلى غاية نشوءه ثم ينتهي النشىء عندما لا يمكن في العظم مثلا أن يقبل أمتداد أكثر مما قبل لما قد حصل عليه من الصلابة ولا يمكن في العروق أن يتّسع بأكثر مما اتّسعت إذ كانت الأعضاء قد بلغت منتهاها من القوة والشدة فإذا أفرطت عليها اليبوسة ضعف أفعالها وقل اللحم فيها وقضف البدن فإذا ازداد اليبس أكثر من ذلك تشنج الجلد وهرم الحيوان وكان ذلك سبب عطبه . وقد يخص الحيوان معنى آخر يكون به وهو أن الحرارة الغريزية التي جعلت منه أول الأمر لا يزال يذيب منه الجوهر المائي والهوائي جميعا ثم تفشيه وتحلله إلى أن تفنيه بآخره فلو لم يستمد البدن من خارج خلفا خلفا مما ينفش منه لكان يقل لبثه ولا بد من ورود الغذاء على البدن لما وصفناه . ولم يرد الغذاء على العضو أو لفضل حار يحرق المجرى الذي ينحدر إلى الأنثيين من الغشاء المتمدد على البطن الذي يسّمى الصفاق فتنحدر منه الأمعاء إلى القيلة . والأسباب التي توجب اجتماع الأعضاء حتى لا يفترق يكون من عارض عند مولد الإنسان أو حادث عن قرحة والتي يوجب الافتراق وهي غلظ أو تشنج أو أثر قرحة . وأسباب تفرق الاتّصال صنفان إما من خارج نحو ما يصدع ويهتك مثل القرحة أو بقطع مثل السيف أو بمد مثل الحبل أو بشدخ وبرض مثل الحجر والصنف الآخر من داخل إما من كيموس حاد يقطع أو ريح غليظة تمدد أو كيموس غليظ يهتك العضو ويقطعه .