محمد بن زكريا الرازي

59

المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )

بالمرىء فيجري منه شيء باللهوات وبالحنك إليها ولن يكاد يكون ذلك وقت اليقظة لأن على رأس المرىء عضل مسلط بالإرادة فإذا كان المرء منتبها أحس بما ينحدر من لهواته وحنكه إلى مرئه فيتنخعه ويبزقه وإذا كان نائما جاز أن يتّخذ ذلك الفضل في مرئه إلى معدته من غير أن يشعر به وهو فضل من فضول الدماغ مشاكل لطبيعته بارد رقيق لزج فليس يحدث في المعدة كربا ولا قلقا ولا غثيا لكن إن لم تكن له أسباب تخرجه من دواء أو غيره احتاج إلى قيء ينقي المعدة منه . وأما ما هو مستكّن في عروق الدماغ من الفضول وخاصة ما غلظ منها ومال إلى العفونة فسبيله في الجذب سبيل فضول سائر البدن إذ كان الأولى به أن ينحدر أولا من عروق الدماغ إلى الودجين ثم إلى العرقين اللذين على الفقار فوق الحجاب ثم إلى العرقين اللذين على الفقار دون الحجاب ثم إلى الوتين ثم إلى العروق التي في حدبة الكبد ثم يمر في العروق المنقسمة في باطن الكبد من العرق الذي يسمّيه الأطبّاء عرق البّواب ثم في العروق تعرف بالمرابض ثم يجري من أفواه تلك العروق إلى الأمعاء ويخرج من أسفل كسائر ما تخرجه الأدوية المسهلة . والدواء الذي تداوي به الرئة من داخل يمر بالمرىء وبالمعدة وبالبوّاب إلى المعي الصائم ويدخل في العروق المنتسجة بين الكبد والأمعاء وهي المرابض وبالعروق التي في الجانب المقعر من الكبد وفي العروق التي في الجانب المقبب منها ثم ينفذ في العرق الأعظم الملقب بالأجوف ثم في القلب وحينئذ يصل إلى الرئة . وستعرف من مجاري البدن في باب منافع الأعضاء من هذا الكتاب ما تقف به وقوفا صحيحا على أمر الأعضاء التي يتولد الفضول فيها وكيف يجري منها عند المداواة . وإذا كان المرار الأصفر له في المعدة إذا وردها ما قد يحس به من الكرب والغم والسدر والقلق والصداع والغشى والغثى حال أنه ربما كان منه الصرع وللمرار الأسود ما هو أكثر من ذلك من جنب الأعراض والأخلاط النيّة إذا صارت في المعدة من توليد النفخ والرياح وتمديد