محمد بن زكريا الرازي

52

المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )

الأعظم النابت من حدبة الكبد استغنى عن ما يرقه لسعة مجاريه ولولا قرب الكليتين من الكبد ورقه ما يجذبان من مائية الدم أعني البول وإن جرم الكلى كثيف يقوى على الجذب لما اكثفت الكليتان بالمقدار الذي هما عليه في تنقية الدم من جميع ما يخالطه من الماء إذ كانت مائية ذلك الدم أكثر من سائر فضول الغذاء في الدم ولم يكن ينبغي أن يكون الكلية واحدة لأنها لو جعلت واحدة وجب أن يكون مقدار عظمها مقدار عظم الكليتين معا إذ كان من الواجب أن يكون عظم كل واحد من الآلات التي تنقي الدم بمقدار الفضل الذي ينقي الدم منه ولو كانت كلية واحدة بذلك المقدار لمال البدن إلى أحد شقيه وإنما جعلت اليمنى أعلى من اليسرى بوجوه ثلاثة أحدها موضع الكبد التي من شأن الكليتين تنقية الدم النافذ منها إلى العرق الأعظم في الجانب الأيمن فاحتاجت إلى تقرب منها والعلة الثانية أن أكثر العروق في حدبة الكبد تتّصل من العرق الأعظم بجانبه الأيمن وإنما جعلت كذلك يسهل جذب الكلية اليمنى منها للماء على المحاذاة والعلة الثالثة أن الكبد لما كانت موضوعة فوق وكان الطحال موضوعا أسفل للسبب الذي تقدم ذكره لم يكن للكلية اليسرى موضع خال فوق الموضع الذي هي قيه كما كان لليمنى فلذلك جعلت أسفل وموضع الكليتين عن جنبي العرقين المنحدرين على الصلب من القلب والكبد ويتشعب إلى كل واحد منهما من كل واحد من هذين العرقين من الدم كل ما في الدم من لماء . وفي جوف كل واحدة من الكليتين بطن يتصفى إليه ما تجذبه من الدم وليس ذلك الماء يضاف من الدّم لكن فيه بقايا منه يتصفى في الكليتين لكثافة جرمهما فيكون به غذاؤهما وينفذ من هذا البطن من كل واحدة من الكليتين مجرى ينحدر إلى المثانة حتى يتّصل بثقبها فيفرغ فيها البول قليلا قليلا حتى يجتمع إلى أن يكثر ويؤذي فتطلقه الإرادة . وليس يكون نفوذ هذين المجريين في بدن المثانة على المحاذاة لكنه ينفذ أولا في طائفة منه على الحدين ثم يعرج زائلا