محمد بن زكريا الرازي
48
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
ذلك الدم الغليظ العكر ويصفيه حتى ينشبه بطبيعته فيغتذي به . ولذلك نجد الدم الجامد فيما بين عروق الطحال وهو جوهر الطحال المخصوص به الذي به يعمل عمله هو أشد استرخاء وسخافة من الدم الجامد الذي بين عروق الكبد الذي هو جوهر الكبد وبه يكون عملها وإنما جعل بهذه الحال من الاسترخاء والسخافة ليكون أشد انشافا لما يجذبه من ذلك الدم العكر وأمكن لقبوله وإذا استنظف الطحال جيد ما في الدم الذي يجذبه واستغنى عن باقيه قذف به في عرق آخر ينبت من باطنه حتى يتّصل برأس المعدة فينصب إليه تلك الفضلة المائية من عكر عند الطحال وهو ما أعيي الطحال إحالته ولم يتهيأ أن يكون فيه غذاء أصلا وإنما صبت هذه الفضلة إلى رأس المعدة لتشد رأسها وتقويه على ضبط ما يرد المعدة من الغذاء إلى أن يستمرئه لأن الغالب على هذه الفضلة القبض والحموضة . 2 - [ فأما المرارة ] فإنها موضوعة على الكبد وهي يسخن الكبد والمعدة ويجذب المرار الأصفر من باطن الكبد وهو الموضع الذي ينبغي أن ينتظف من المرار قبل أن ينفذ الدم إلى العروق التي في حدبة الكبد . وفي باطن الكبد عرق ينبت من رقبة المرارة ويجذب المرار الأحمر بقوة جاذبة مشاكل لطبيعة هذا المرار حتى يجمعه إلى المرارة فيفرغه فيها قليلا قليلا إلى أن يجمع وينضج فيصفر ويؤذي فيغيصه حينئذ في مجري آخر ينبت من أسفل المرار وينحدر حتى يتّصل بالمعي ذي الإثنى عشر أصبعا وذلك أن الأمعاء تحتاج إلى هذا المرار لكثرة ما يتولد في الأمعاء كل يوم من الفضلة البلغمية كي يقطع تلك الفضول ويجلوها . فجعل المرار الأصفر يغيض إلى أول الأمعاء ليمر بجميع لفائفها فينظفها على ما قلناه وقد يتولد في المعدة شبه ما يتولد في الأمعاء من الفضول البلغمية إلا أنها لما كانت أكثر حسا من الأمعاء ولا سيما ما يلي فمها لم يجعل مغيضا للمرار الأصفر لأنه كان يلذعها ولا يدع الطعام