محمد بن زكريا الرازي
95
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
مؤخر الرأس قد نقص فانظر مع ذلك في العصب والرقبة وسائر العظام فإنه إن كانت هذه على الحال الطبيعيّة فإنما أتى النقصان من نقصان المادّة لا من ضعف القوة وإن كانت هذه الأشياء التي وصفنا ليست على الحال الطبيعيّة فاعلم أن الأصل ضعيف وفي أكثر الحالات يتبع نقصان مؤخر الرأس ضعف هذه الأشياء التي وصفنا ولا يكاد الأمر يقع بخلاف ذلك إلا في الندرة وإذا وجدت أيضا مؤخر الرأس أشد نتؤ فانظر في ذلك على حسب النظر في الرأس كله إذا خرج عن الحد الطبيعيّ فليس بعلامة جيدة . وقد سمّى قوم الأطبّاء هذا الجزء من الدماغ دماغا خلفيا وهو خلفي كما وصفوه وهذا الجزء من الدماغ هو الأصل الذي ينبت منه النخاع فإذا كان أصلا له فهو أصل لجميع العصب الذي به يكون الحركة في بدن الحيوان كله وأما هو بنفسه فإنما ينبت منه عصب يسير العدد للحس والجزء الآخر الذي من المقدم ينبت منه عصب كثير العدد جدا من عصب الحس وعصب قليل العدد من عصب الحركة . فإذا كان هذان الجزءان على حال جيدة كانت الأشياء التي تنبت من كل واحد منهما قوة وجميع ما ذكرناه من أمر مؤخر الرأس ينبغي أن يستعمل مثله في مقدم الرأس . وذلك أنه ينبغي أن تنظر في مقداره وشكله وفي الحواس التي في مقدم الرأس أعني البصر والمذاق والشم فإن هذه الأشياء قد يدل بعضها على بعض أعني أن الأشياء التي تنبت من الأصل قد تدل على صلاح الأصل وفساده والأصل نفسه يشهد على صلاح الأشياء التي تتفرع منه وفسادها 2 - [ فأما صلاح الأفعال التي تكون بها التدبير وفسادها ] فإنها أعلام للأصل وحده دون غيره أعني بالأفعال التي يكون بها التدبير الأفعال التي تكون من الأصل نفسه وحده فحضور الذهن والذكاء يدل على أن جوهر الدماغ جوهر لطيف وأبطأ الذهن يدل على أن جوهر الدماغ غليظ وسرعة التعليم يدل على أن جوهره جوهر سريع القبول لانطباع