محمد بن زكريا الرازي
84
الحاوي في الطب
قال : والحمى مع إعياء من شأنها أن تحدث الخراج سريعا ولا تنظر به مدة أطول كسائر الحميات ، ويعرض لصاحب هذه الحمى الخراج عند الأذن أكثر كما أنه يعرض لصاحب العلل المزمنة أن يكون تولد الخراج في أسافل البدن أكثر . فأما في أصحاب الحميات التي بإعياء من تلقاء نفسه فلكثرة الخلط فيه وحرارة مرتفعة إلى أعالي البدن ، فيكون الخراج من أعالي البدن - أعني : في الرأس - إلا أن ينذر قبل ذلك الرعاف ، والخراج يمنع كونه الرعاف بمرة ، فأما البول فإنما يمنعه إذا دام أياما . قال جالينوس : إن من البيّن أن انقضاء المرض بالرعاف يكون أسرع منه بالبول لأن استفراغ الأخلاط يحتاج إلى أيام . لي : قد صح مما قلنا إن أقوى البحارين الرعاف ثم الإسهال ثم القيء ثم البول ثم العرق ثم الخراجات ، وربما كانت الخراجات أقوى من العرق ، ورأيت عداد مرضى سكنت حماهم بأن اندفع الفضل إلى أيديهم وأرجلهم ضربة حتى كأنها صارت سقافلوس وعفنت وتساقط اللحم ، فهذا كله نوع من أنواع البحران أيضا . لي : يمنع من الخراجات في الإعياء الكائن من تلقاء نفسه وفي المفاصل التي تعبت في الإعياء الحركي ، فإنما تكون الخراجات في هذين في الإعياء والأمراض المتوسطة في الحدة والأزمان . السابعة من « الفصول » ، قال ج : قال أبقراط : إذا ظهرت أعراض البحران ثم لم يكن بها بحران دلت على موت ، وأما على بحران عسر ، وقد فسر ج هذه الأعراض على أنها الاستفراغات أنفسها وذلك أن أبقراط قال هاهنا : إذا كان العرق يجلب نافضا فذلك رديء . قال ج في تفسير ذلك : لأن أبقراط قد قال « إن أعراض البحران » إلى آخر الكلام ، وأنا أرى أن هذا غير مشاكل وأن أبقراط لم يرد بقوله : « إذا كانت أعراض البحران وإن لم يكن بها بحران » الاستفراغات ، لكن الأعراض التي تتقدم كون البحران مثل الأرق والقلق ونحوه . لي : رأيت القلق والكرب يتقدم البحران الكائن بالقيء والرعاف أكثر من غيره ، ويتلوه الذي بالعرق ثم الذي بالاختلاف ، وأما الذي ببول وخراج فلا . فنقول : إذا ظهرت العلامات الباحورية ثم لم يكن بعقبها الحرارة فإن ذلك إما لأن المرض يزيد زيادة كثيرة مفرطة فلم يظهر ذلك من أجل أن يكون بحرانا لكن من أجل تزيد المرض ورداءته ، فينذر بموت . وإما لأن الطبيعة أخذت في المجاهدة فظهرت الأعراض الباحورية لأن الأعراض الباحورية ليست شيئا أكثر من مجاهدة الطبيعة للعلة ، فلما رامت ذلك خارت بعد الجهد فلم يتبع فعلها استفراغ ، فدل ذلك على أن البحران عسر ، لأن المرض قوي والطبيعة ضعيفة بالإضافة إليه . وإنما يمكن أن يتعلق من هذا الكلام بلفظة شبهة وهو قوله : « ولم يكن بها بحران » لأن هذا كأنه على الاستفراغات أدل منه على الأعراض التي تتقدم ، لأن اللفظ الأشكل بهذه أن يقال : ولم يأت بعدها بحران . فإن كان أبقراط يعني بها هذا فهذا أردى جدا ، لأن ذلك يدل على