محمد بن زكريا الرازي

258

الحاوي في الطب

ولون البول في الأمراض الحادثة عن المرار يميل إلى الصفرة ، وفي الحادثة عن أخلاط نية يكون مائلا إلى البياض ، وكذلك الرسوب ، فإنه في الأمراض الحادثة عن أخلاط نية يكون كثيرا ، وفي الكائنة عن المرار لا يكون أصلا ، ويكون وتحا قليلا جدا ، إلا أنه قد يكتفي من دلائل النضج في هذه الأمراض بغمامة متعلقة بعد أن تكون بيضاء . والمتعلق هو الذي يكون في وسط البول لا طافيا فوق . فأما الذي يرسب فيه في جميع أيام المرض مثل الرسوب الموصوف أولا فعلى غاية الأمن والثقة وقلة الخطر من المرض والثقة بالنضج وأن ينقضي انقضاء لا يعود البتة ، ويسرع البتة انقضاؤه ، وبالجملة فإنه إن لبث البول بهذه الحال في البول الأول وفي الثاني لم يتجاوز المرض الأربعة الأيام الأول . وأما لم صار أفضل الرسوب الأبيض ؟ فلأن ذلك يدل على أنه قد قبل استحالة تامة من الطبيعة حتى يشبه بلون الأعضاء الأصلية . وأما لم صار الأملس أفضل ؟ فلأن عمل الطبيعة قد عملت في جميع أجزاء باستواء فلذلك تكون الطبيعة قد عملت في جميع أجزائه . فإذا كان البول يضرب إلى الحمرة المشبعة وفيه رسوب بذلك اللون أملس فإن المرض أطول مدة من مرض صاحب البول الأول ، إلا أنه سليم جدا ، لأن لون البول إنما يميل إلى الحمرة إذا جرت مائية الدم معه ، ويدل ذلك على دم كثير غير مستحكم النضج ؛ ولما كان الغالب في البدن أجود الأخلاط كان المرض غير ذي خطر ، ولأنه غير نضيج يحتاج إلى مدة من الزمن حتى يكمل نضجه فيجب أن يطول أكثر من المرض الذي يرسب فيه رسوب أبيض . الثفل الشبيه بجلال السويق رديء ، وأردأ منه ما كان شبيها بالصفائح ، وما كان رقيقا أبيض فهو رديء جدا ، وأردأ منه الشبيه بالنخالة ، لأن السويقي يكون إما من احتراق الدم الغليظ وانطباخه وإما من ذوبان اللحم ذوبانا مختلفا بأن تنحل الأجزاء اللينة الرطبة بالحرارة النارية فيصير صديدا ، وتجف الأجزاء الصلبة وتيبس بمنزلة ما يقلى على الطابق ، وذلك أن أول ما يذوب في الحميات الشحم الطري الحديث العهد بالجمود ، ثم ما هو أصلب وأعتق ، ثم بعد ذلك اللحم الطري اللين القريب العهد ، ثم اللحم الصلب العتيق ، ثم بعد ذلك الأعضاء الأصلية أنفسها . وإذا رأيت الأعضاء أنفسها ذابت رأيت في البول أجزاء غير متساوية شبيهة بالصفائح ، ولذلك هذا أردأ من الأول كثيرا . وأما الرسوب الذي يشبه النخالة فإنه أردأ من الأولين كثيرا ، لأنه يدل على شدة التهاب الحمى . فأما الرسوب اللطيف الذي بمنزلة الرغوة أبيض اللون فإنه يكون من ريح غليظة تخالط فضولا نية عسرة الانحلال ، لأن مخالطتها في أجزاء صغار ؛ وهو رديء . وذلك أن الرسوب