محمد بن زكريا الرازي
238
الحاوي في الطب
لي : لذلك صار الرسوب الحميد دليلا على تصاعده ، وإلا فعلى أن نهاية المرض قد كانت ، لأنه كما أن أصعب أوقات الخراج في الحميات حيث تتولد المدة ، فإذا تولدت طفئت الحرارة ، كذلك أصعب أوقات العفن الذي في العروق حين يتولد ذلك ، فإذا تولد فقد تم نضج الخلط ، ويكون ما هو شبه المدة ؛ ولذلك ليس الرسوب الذي في أبوال الأصحاء بحميد ، لأنه يدل على أن في العروق فضلا احتاجت الطبيعة أن تهضمه زائدا على حاجتها للغذاء ، ولذلك ترى أبدا هذا الرسوب في الأصحاء في أبوال المسمنين والمبلغمين والذين يستعملون الدعة والإكثار من الغذاء ، فإني لم أر ماء ابن عبدويه يخلو أبدا من رسوب كثير ، ولا رأيت في ماء أبي حازم قط في صحته رسوبا ، وفي مرضه بكد ما يكون رسوب ، لأن حاله حال الخراج الصغير القليل الكمية ، وإن كان قوي الكيفية . فأما في الأمراض فالرسوب الحميد العلامة الصادقة على غلبة الطبيعة وقوتها الفاضلة في الحميات المطبقة ، لأن العفن هاهنا داخل العروق وفي القوية الحرارة ، لأن هاهنا الفضل أيضا ينضج سريعا جملة ؛ فأما الحميات الطويلة فحالها حال الخراجات البليدة ، كما أنه لا يكون في هذه مدة غزيرة لكن يكون تحلل وصديد كذلك حال هذه الحميات - أعني البلغمية والسوداوية ، فاطلب أبدا في الحميات المطبقة والحادة الرسوب ولا تعتد بنضج سواه ، فإنه ما لم ير هذا يدل على أن الفضل لم ينضج كالحال في أن المدة لم تكن ، وإذا لم يكن نضج البتة كان الحال في العروق كحال العفن في الخراجات ، فاستحوذت الرداءة على العروق والقلب كما يستحوذ العفن على ذلك العضو ، وكما أن ذلك موت ذلك العضو كذلك هو ذلك موت القوة الحيوانية ؛ فلا تثق في المطبقة والحادة إلا بالرسوب والغمامة في الأبدان النحيفة ، لأنه لا يمكن أن يكون ذلك الفضل الذي في العروق قد نضج واستحال ولم تجد رسوبا ، لأن محل ذلك كمحل من قال : إن الخراج قد نضج وليس توجد مدة ؛ وقد رأيت في أبي حازم وهو على غاية حر « 1 » المزاج أنه على حال لا يخرج من علته المطبقة إلا بعد رسوب على أن حرارة الحمى تدل ؛ فكما أن الحرارة لا تسكن دون تمام كون المدة كذلك لا تسكن في هذه الحمى ولا تطفأ الحرارة ، ولا يصير النبض والنفس أصغر إلا عند النضج أو عند استيلاء الخلط على القوة الحيوانية ، وبعد ذلك لا يكون إلا بالموت ؛ وكذلك متى رأيت الحرارة قد سكنت من غير أمارات النضج فإن الطبيعة قد قهرتها العلة . لي : ومن جميع الحميات البول الأسود والمنتن مثل المدة العفنة والصديد السائل من الخراج عند تعفن العضو ورداءته . قال : البول الذي فيه ثفل متبدد نضيج نصف النضج . من « كتاب الدلائل » : الأصفر المشبع يدل على غلبة المرار في البدن جدا ، وهو الناري ، وهو أسخن الأبوال .
--> ( 1 ) في نسخة : حدة .