محمد بن زكريا الرازي
194
الحاوي في الطب
وأما ثخنته فلأن الطبخ قد برد منها مائية كثيرة وأحال عليها كثيرا من الغلظ وحلله فيه . وأما ذهاب التثور فلأن الريح قد سكنت فاستقرت كذلك تلك الأجزاء التي كانت تحول فيه ، وهذه الريح تواصل هذه الأشياء من العفن . وفيه كلام طبيعي نذكره كاملا إن شاء اللّه في البحوث الطبيعية . ويجب أن تنظر هل يكون البول الثخين غير نضيج ، لأنه ليس الثخين والمتثور واحدا . قال : البول الكدر ثلاثة أصناف : إما أن يبال كدرا ثم يصفو بعد قليل ، وإما أن يبال كدرا ويبقى بحاله دائما ، وإما أن يبال صافيا ثم يكدر ؛ وأردأ هذه الثلاثة الذي يبال صافيا ثم يكدر ، وبعده في الرداءة الذي يبال كدرا ويبقى بحاله ؛ والذي يبال كدرا ولا يبقى بحاله فإنه متوسط بينهما ، وذلك أن الذي يبال كدرا ثم يصفو بعد قليل يدل على أن الذي بقي من الاضطراب والتثور قليل ؛ وأما الذي يبقى على كدرته فيدل على التثور والاختلاط في النهاية ؛ وأما الذي يبال صافيا ثم يكدر خارجا فيدل على أنه لم تكن حركة لكنها ستكون عن قريب . فبالواجب صار هذا أردأهما لأنه يدل على أن المرض يحتاج إلى زمن طويل وإلى قوة قوية حتى ينضج . فأما البول الذي يبال كدرا ثم لا يلبث أن يرسب فيه رسوب محمود فيدل على أن المرض لا يلبث أن ينضج . وأما الذي يبال كدرا ويبقى بحاله فلأنه يدل على أن الحركة والاضطراب في نهايته كان نقصانه في الرداءة أشد من البول الذي يدل على أنه لم يكن له بعد حركة ، لكنها ستكون عن قريب على حسب فضله في الرداءة على البول الذي يدل على أن تلك الحركة قريب أن تسكن وتهدأ ؛ فالبول إذا في الغاية القصوى من البعد عن النضج وأشر هذه كلها . وهذا هو البول الشبيه بالماء لا يدل على الصحة ، وليس هو في طريق النضج كالبول الكدر ، ولا قريبا منه كالبول الذي يكدر بعد قليل ؛ ولكنه كأنه ينذرك بأنه قد أعيتك الحيلة بالنضج . وهذا البول من العروق وما جانسها بمنزلة التخمة من المعدة ، فإن كان مع الشبه بالماء خروجه سريعا فإن هذا حينئذ هو المرض المسمى ذيابيطس ، وهذه العلة من العروق بمنزلة سلس المعى ، وذلك أنه كأنه موت القوة المغيرة والماسكة فهذا شر أصناف البول الغير النضج ؛ ثم يتلوه في الرداءة المائي الذي ليس خروجه بسريع ، لأن هذا أقل دلالة على التلف إذ كان لا يدل على موت قوتين غريزتين ، لكنه يدل على ضعف القوة المغيرة فقط ؛ فإنه بحسب ضعف القوى وبطلانها تكون رداءة المرض ؛ فالبول الذي يكون في درب البول أردأ الأبوال الغير النضيجة ، لأن البول الذي هو في بياضه كالماء وفي رقته ، فهو أيضا رديء مفرط الرداءة ، لأنه يدل على ضعف القوة المغيرة في الغاية ؛ ويقرب منه بول يشبه لونه أشد ما يكون من الأشربة بياضا ، وهذا البول إنما يكون إذا خالط المائي بشيء من رقيق المرة