محمد بن زكريا الرازي
143
الحاوي في الطب
البحران ولا لأن الطبيعة تنقى به ، لكن لأن في البدن من ذلك الجنس كثرة كثيرة لا يقوى على ضبطها أو لأنها سريعة اللذع . لي : يفرق بين هذه وبين الباحورية بأن هذه عديمة النضج ، تجيء في كل الأوقات ، ولا أمارات بحران ولا غير ذلك ، ولا في يومه . الأمراض الصيفية يحلها الشتاء في الأكثر ، والشتوية يحلها الصيف متى كانت دلائل السلامة موجودة مع الحمى الحادة . ورجوت أن يأتي بحران ، ثم رأيت البول قد احتبس فاعلم أنه سيحدث نافض يتلوه بحران لا محالة . فإن كان المريض مع ذلك قد قلق في الليلة المتقدمة وصعبت عليه علته وكان ذلك اليوم يوما باحوريا قدرت أن تتقدم فتنذر بذلك النافض إذا احتبس البول ؛ فإن دل النبض مع ذلك على شدة النافض - وقد وصفت ذلك في النبض - فقل إنه يكون قويا شديدا . فإن انطلق البطن انطلاقا كثيرا فلا يجب أن تثق حينئذ باحتباس البول في الدلالة على النافض ، فإن كان البطن معتقلا مع احتباس البول ثم علمت من أمر المرض أن البحران قريب فإنه يصيب ذلك المريض ضرورة نافض ثم يتلوه عرق فإن كان قبل ذلك جهد شديد وقلق كانت ثقتك بالنافض والعرق أكثر . وذلك كائن في أكثر الأمر وإن قل ذلك يوما وخف من المرض فإنه لا يظهر في النبض دليل دال على النافض لكن يظهر فيه النبض الذي يدل على الاختلاف . وقد وصفنا ذلك كله في « كتاب النبض » . وإن كانت الحمى محرقة حادة - وخاصة إن كانت عن التعب - فإن حركة المرار في هذا أشد منها في غيرها ، ولتكن بذلك أوثق ، وذلك أن البحارين المحرقات تكون بالنافض كثيرا . والحميات التي يكون في ابتدائها نافض لا يكون بحرانها بخراج ؛ وذلك أنه يتبعها في كل نوبة عرق فيخرج به الفضل ، فلا تحتاج الطبيعة إلى دفع الفضل بالخراجات ، لأن الخراجات إنما تكون إذا كان الفضل كثيرا . الأمراض التي يكون بحرانها بخراج هن الأمراض السليمة العديمة النضج لأن الأمراض السليمة إذا كان معها نضج كان انقضاؤها باستفراغ ، فمتى لم يكن المرض خبيثا ثم أدمن وطال به الأمر فتوقع الخراج ؛ كما قال أبقراط في « تقدمة المعرفة » : إنه من بال بولا رقيقا مدة طويلة وكانت سائر الدلائل تنذر بأنه يسلم فتوقع له خراجا في بعض المواضع التي دون الحجاب في علل آلات النفس . وهذا مثال : إذا كانت بإنسان علة فصلح منها فكان العرقان اللذان في صدغيه شديدي الانبساط غير مستقرين البتة ، ولونه حائل ونفسه متزايد وسعال يابس ، فتوقع خراجا في مفاصله .