محمد بن زكريا الرازي

139

الحاوي في الطب

الورم والحرارة والوجع دائما عرض للمريض ما يغير نفسه من غير سبب بيّن ، وإن كان كذلك فالخراج ضرورة يكون في ما فوق الصدر - أعني في اللحم الرخو الذي في أصل الأذن ، وقد يظهر مع ذلك شيء من الأعراض التي تعرض في الرأس مما تدل على ميل الخراج إلى تلك الناحية كالسبات والصمم بغتة من غير سبب معروف وثقل الصدغين والرأس وغير ذلك مما أشبهه . قال ج : يجب - بعد أن تعلم أن البحران كائن - أن تعلم بأي طريق يكون هذا التعليم الذي أعلمك ، انظر أولا : هل المرض حاد حار يجيء فيه البحران في الأيام الأول ؟ فإنه إن كان كذلك فواجب أن لا يكون بخراج لكن باستفراغ ، ثم انظر إلى حركته فإنه إن كان متطاولا بطيء الحركة فإن البحران يكون بخراج ، لا سيما إن كان المريض بال بولا رقيقا مدة طويلة ، لأنه إن بال بولا ثخينا كثيرا فيه ثفل كثير راسب أبيض محمود فالأخلق أن ينضج المرض قليلا قليلا وإلا يحدث له بحران بخراج ؛ ثم انظر بعد هذا إن كان البحران يكون باستفراغ - بأي ضرب من ضروب الاستفراغ يكون ، فإن كان يكون بخراج - ففي أي موضع يكون ذلك الخراج ؛ وتعلم بأي ضرب من ضروب الاستفراغ يكون البحران - من طريقين : أحدهما أن تجد العلامات الخاصة بواحد من الضروب ، والثاني ألا تجد شيئا من علامات الضروب الآخر ، وإن كان علامة الضرب الذي ركنت به غير تامة ولا كثيرة فإنه عند ذلك يدل على أنه يكون بذلك الضرب الذي ركنت . وأنا واصف لك العلامات الدالة على ضروب من البحران ويجب عليك أن لا تقتصر على العلامات الدالة على واحد ، لكن تتفقد الدالة على كل ضرب ؛ إذا رأيت البطن قد اعتقل والبول قد احتقن أيضا بالقرب من وقت البحران فتوقع نافضا ؛ وإذا خضر النافض فانظر ما يحدث بعده - أعرق أم قيء أم اختلاف أم اثنان من هذه أم كلها ، وانظر أولا في طبيعة المرض فإنه إن كانت حماه محرقة خالصة فقد يصحح عندك أمر النافض قبل حدوثه ، وذلك أن الحمى المحرقة إنما تتولد عن الصفراء ، وقد قلنا : إن هذا الكيموس إذا تحرك حركة قوية ولد نافضا ؛ ثم انظر بعد هذا : هل احتبس البول وحده أو احتبس معه البطن قبل النافض ؟ فإنهما إن كانا احتبسا معا فالبحران يكون بعرق كثير لا محالة ، وإن كان البول احتبس وحده أو احتبس معه البطن قبل النافض فانظر هل زاد قبل البحران على مقدار ما كان قبل ذلك أو نقص عنه ، فإن رأيته قد زاد زيادة كثيرة فاعلم أن الطبيعة مائلة نحو هذا الطريق وبه يكون البحران ؛ وإن رأيته قد نقص علمت أن ميلها نحو العرق وبه يكون البحران ؛ وإن رأيت مع ذلك علامات تدل على القيء فالبحران يكون بهما - أعني بالقيء والعرق . وإن كان العلامات التي تدل على أحد الاستفراغين أقوى من العلامات التي تدل على الآخر كان البحران بذلك الاستفراغ أكثر ؛ وإن كانت متكافئة فالبحران يكون بهما سواء . وإن لم تر شيئا من علامات القيء فتوقع العرق وحده ، لا سيما إذا رأيت المريض قد