محمد بن زكريا الرازي
134
الحاوي في الطب
واختلاطا في كل الحركات كما أنه في الانحطاط المحمود يزداد قوة دائما وينتقص اختلافه ، وذلك أن الطبيعة تكون قد نفت جميع حرارة الحمى إلى خارج ، وهذان الانحطاطان وإن كان يعمهما نقصان الحرارة وسكون الحمى وما يوهم الجاهل أن الحال أسكن فإن بينهما بونا بعيدا . وكذلك في الانحطاط الجيد إنما يتحلل حرارة الحمى فلذلك يزداد النبض قوة ويرجع إلى الاستواء ويذهب اختلافه ؛ وأما في هذه فإنه يتحلل مع انحلال حرارة الحمى الحرارة المعروفة بالحرارة الغريزية ، ويوهم في هذا أيضا أن المريض أحسن حالا بسكون الحرارة ، ثم إنه عند قيام يقومه إلى الخلاء أو أدنى حركة يتحركها يعرض له غشي ، ثم يعرق عرقا يسيرا لزجا ثم يموت ؛ وربما حدث له ذلك من غير قيام ولا حركة ، فعلى هذا يموت المريض من قبل ميل الأخلاط دفعة إلى باطن البدن ، فإنه إذا كان ذلك عرض للطبيعة شيء شبيه بالحطب الكثير يلقى دفعة على النار فيخنقها ويعرض الموت في انتهاء النوائب لشدة قوة المرض على الطبيعة في ذلك الوقت . وقد يموت المريض ، والنوبة بعد تتزيد ؛ وقل ما يعرض هذا . قال : فجميع الوجوه التي يكون بها موت من يموت بلا بحران ثلاثة : الموت الذي يكون في أول النوبة ، وهذا أكثر ما يكون إذا كان ورم عظيم في أحد الأعضاء الشريفة أو كان في البدن فضل كثير لزج ينصب دفعة إلى باطن البدن فيسد منافذ الروح ؛ والموت الذي يكون في منتهى النوبة ، وهذا يكون إذا انهزمت الطبيعة عن المرض لشدته . والثالث الموت الذي يكون في انحطاط النوائب وهو أقلها ، ويكون من انحلال القوة الحيوانية . لي : الذي يكون عند المنتهى أكثرها . قال : وليس يكون واحد من هذه الثلاثة الوجوه مع بحران ، لأن الطبيعة لا تروم البتة نفي المرض عند هذه الحالات من الموت ، وإذا رامت الطبيعة ذلك ثم قهرها المرض سمي بحرانا ؛ ويكون ذلك لا محالة إما مع استفراغ وإما مع خراج عظيم وسائر الاضطراب الذي يتقدم البحران . قال : وتقدمة المعرفة بهذه الأصناف من البحران أقل صحة وبيانا من المعرفة بأصناف البحران المحمود ، ويحتاج إلى درية وفطنة حتى يعلم هل يكون هذا النوع من البحران أم لا ؟ ثم في أي يوم ؟ ثم هل يقتل أو إنما يضر فقط ؟ فلذلك يجب أن ترتاض بالبحران المحمود وما قاربه ثم تنتقل إلى هذه . وذلك أنه كما أن أمر البحران الذي ليس يدرك بأمر يقين صحيح بل إنما يدرك أكثره بالحدس كذلك المحمود ثابت يدرك بعلم يقين ؛ وذلك أن حركات الطبيعة منظومة محمودة إذا كانت هي قوية ظاهرة ؛ وأما حركاتها وهي معلولة فتجري على غير نظام ، فلذلك لا تصح معرفتها على ما يجب ، إلا أنه متى غلبت الطبيعة غلبة تامة لم ترم فعل البحران البتة ؛ فإن كان بها أدنى طرف فإنها تقاوم قليلا قليلا ثم لا تلبث أن تنهزم ، والعلة في مقاومتها هذه