محمد بن زكريا الرازي

449

الحاوي في الطب

ذلك أنت منه وذلك أن تتوقى تجبنه بأن تستعمله قليلا بعد قليل . وممكن أن تدفع هذا العارض بأن تجعل معه عسلا أو ماء العسل قليلا ، لأن العسل وماءه يستحيل إلى المرار سريعا ويجعل الحمى أشد يبسا وحدة ، فاحذره ما أمكن . والملح المأكول يمنع أيضا تجبنه إن طرح فيه قليلا . قال : وينبغي أن تعطيه ما يمنع التجبن مما لا يسخن ، وتسقيه ذلك قليلا قليلا فإنه أحمد الأشياء . قال : وأدخل الأتان عليه واسقه ساعة يحلب ، وتفقد النبض بعد ساعة فإن فسد وجدت النبض كنبض من عرض له ضغط في معدته - لي : أحسبه يريد هاهنا تجبنا - قال : وإن انهضم نعما وجدت النبض أعظم وأقوى فيمكنك عند ذلك أن تزيد في السقية الثانية في المقدار نصف قوانوس ، ثم تزيد أيضا نصفا آخر حتى يصير إلى المقدار المعتدل على ما أعلمتك في مداواة سوء المزاج اليابس في المعدة فعليك بقراءة ذلك الموضع فإن العلاج مشترك لهما ولكن بحسب حرارة الدق صرنا في علاجه نحتاج إلى أشياء أبرد وإلى استقصائه كيلا ينال البدن مضرة من مداواته بأشياء قوية . فمن وقع من أصحاب الدق في ذبول فليكن استحمامه على ما وصفت ، وأما من به دق ولم يلحقه ذبول فعلاجه بما أقول يمكن : أن يدخل الحمام من غير حمل على مقرمة بل على محفة ثم يمشي إلى الماء الحار ويطيل فيه المكث ، ومن كان منهم شديد الضعف فلا يدخل حوض المار البارد بل يصب عليه منه خارجا بعد صب ماء فاتر ، وليكن قدر برودته كبرودة ماء المصانع أعني فيما بين البرودة المؤلفة والفتورة المرخية ولا يكون كأحدهما فإن فعلت هذه الأشياء بصاحب الدق نجته ، وإن وقع في شيء منها خطأ فسد ذلك كله ولو كان الخطأ قليلا ، ومن برأ من أصحاب الذبول بما ذكرنا برأ برءا تاما فإنما يبرأ من الذبول في لحمه فقط ، وأما من يبست أعضاؤه الأصلية فغير ممكن أن يبرأ برءا تاما وهذا لا بد أن يموت أو يقع في الذبول البارد ، لأن الحمى تفني أولا الرطوبة الخاصية بالأعضاء المشاكلة لها التي تغتذي منها فتنتقل من هذه الرطوبة إلى التي في اللحم المحيط بليف الأعضاء الأصلية وبما فيها من جنس الأغشية ثم تأخذ بعد ذلك في نفس الأعضاء الأصلية . قال : وتحلل البدن بالذوب إلى باطنه وبالتحلل الخفي ، فمتى كان البدن رطبا كان ما يذيبه منه إلى باطنه ظاهرا للحس كثيرا وبالضد إن كان البدن عضلانيا يابسا عديم الشحم على ما تجده يكون في اللحم الذي يلبث ، فإن الرخص يسيل منه شيء كثير ، واليابس يتحلل منه أكثر مما يسيل . قال : ومن أعظم الدلائل على أخذ الحميات الدق الحادة في إذابة الأعضاء ما يسيل في البراز من الدهنية والدسم ، وهؤلاء إن لم يبادر بالعلاج وقعوا في الذبول ، وحينئذ لا يسيل منهم شيء لأن ما كان يذوب قد ذاب وخرج وليس يذوب من جوهر العضل والليف شيء .