محمد بن زكريا الرازي
427
الحاوي في الطب
المدينة الموضوعة قبالة المشرق تهب فيها ثلاث رياح : الهابة من المشرق الصيفي وتسمى السفع « 1 » ، والهابة من المشرق الشتوي وهي الأزيب ، والهابة من الموضع المتوسط من هذه وهي الصبا ، وهذه الثلاث الرياح معتدلة وأكثرها اعتدالا الصبا والهابة من المشرق الصيفي لأنها تميل إلى الشمال فهي مائلة إلى البرد واليبس عن الاعتدال بقدر ميلها ، والمائلة إلى المشرق الشتوي مائلة إلى الحر والرطوبة بقدر ميلها ، لأنها نحو المغرب ؛ وهذه المدينة معتدلة إلا أنها أميل إلى الحرارة مائلة قليلا ، وماؤها جيد وهواؤها لطيف . الرياح التي تهب في المدينة التي قبالة المغرب ثلاث : الهابة من المغرب الصيفي وتسمى محوة ، والهابة من المغرب الشتوي وتسمى حيزبون ، والهابة الوسطى وهي الدبور ؛ وهذه الرياح معتدلة وأعدلها الدبور ، وأيبسها محوة ، وأبردها الحيزبون لأنها مائلة إلى الشمال . الرياح المشرقية والمغربية وإن كانت معتدلة فالمشرقية أميل إلى الحرارة واليبس ، والمغربية إلى البرد والرطوبة . لي : لأن هذا مشرق ضاف قليل الرطوبة بسرعة إشراق الشمس عليه وإذهابها لغلظ هواء الأسحار وبالضد ، والرياح المشرقية والمغربية وإن كانت على طول واحد فإنها يلزمها ما ذكرنا ، لأن الريح المشرقية تجيء من هواء قد لطفته الشمس إلى هواء لم تلطفه بعد ، والمغربية بالضد . إذا كان قرب البلد جبال ثلجية هبت رياح باردة في الشتاء ما دام الثلج باقيا فإذا ذهب الثلج لم تهب فيه رياح وصار رمدا كبلاد طرسوس . لي : هذا إذا لم تكن له رياح أخر تهب . البلدان المشرفة جدا والغائرة جدا يكون تغايير الأزمنة فيها عظيمة قوية ، وكذا في البلدان المختلفة الحالة التي بعضها عال وبعضها منخفض ولها جبال مختلفة الوضع ، والبلدان اليابسة أهلها أكثر فهما وأكثر جلدا وبالضد . استعن بالمقالة الثامنة من هذه « المسائل » . من الأولى من « الأغذية » ، قال : اجعل الأغذية بحسب مزاج البلاد والأوقات ، واحذر في الخريف الأطعمة التي تولد دما سوداويا ، والتي تجفف ؛ وتستعمل في الشتاء بثقة واتكال ، وكذا فاستعمل في الصيف الأطعمة المبردة . وأما الربيع فاستعمل فيه الأغذية المعتدلة . الأولى من « المزاج » ، قال : شر حالات الهواء الحار الرطب ، وبه يكون الوباء أكثر ، كما ذكر أبقراط : إنه جاء مطر جود ودام في الصيف كله . قال : وليس شيء من أوقات السنة الطبيعية حارا رطبا ولا الربيع ، لأن الربيع معتدل والوقت الحار الرطب إنما هو الذي تغلب عليه الحرارة مع الرطوبة كالحال التي وصفها أبقراط .
--> ( 1 ) في الأصل ، غير منقوط ولعله المسع أو النسع .