محمد بن زكريا الرازي
424
الحاوي في الطب
فإن جاء في هذه السنة في وقت طلوع الكواكب مطر وشمال كثير رجى أن تنحل الأمراض ويكون الخريف صحيحا ، وإلا فشا الموت في الصبيان وفي النساء ضرورة ، ويكون في المشايخ أقل ولأن الصبيان والنساء مزاجهم رطب ، وينبغي لمن خيف عليه المرض في ذلك الوقت أن يبرد بدنه ويحسن تدبيره . قال : ومن ينج من الموت من النساء والصبيان يقع في حمى الربع ومن الربع في جمع الماء الأصفر ، لأن الحميات تحرق المرة فيهم فتصير سوداء ، والحمى الربع إذا تطاولت آلت إلى الماء الأصفر . فإذا كان الشتاء جنوبيا مطيرا دفيئا والربيع شماليا باردا فالحوامل يسقطن في الربيع ، واللواتي يلدن منهن يلدن أطفالا ضعافا . فإما أن يموتوا وإما أن يعيشوا مسقامين لعلل قد فسرت في « كتاب الفصول » . قال : وأما سائر الناس فيعرض لهم في هذا التغير اختلاف الأعراض ورمد يابس ونوازل من الرأس إلى الرئة ، فأما النساء وأصحاب الأمزجة الرطبة فيعرض لهم اختلاف الأعراض لأن البلغم المجتمع في رؤوسهم في الشتاء ينزل إلى بطونهم . وأما أصحاب الصفراء فيعرض لهم رمد . وأما الشيوخ فتعرض لهم نوازل في عصبهم فربما ماتوا فجأة وربما جف منهم الجانب الأيمن ، لأن الشتاء الجنوبي لا يصلب الأبدان ، فيدخل الربيع يبرد فيحفظ ما في الرؤوس ولا يحلله ، فإذا جاء الصيف عظم التغير فلذلك يعرض ما ذكرنا . وما كان من البلدان تجاه المشرق ورياحه سليمة ومياهه عذبة فإن المدينة قلما يضرها تغير الهواء ، لجودة هوائها واعتدال سكانها . كل مدينة ليست تجاه المشرق ويشرب أهلها ماء مالحا وبطائحها ورياحها غير سليمة فإن تغير الهواء يعظم ضرره فيها ، لأن أبدانهم تسرع إلى قبول الآفات . إذا كان الصيف يابسا شديد الحر ذهبت الأمراض سريعا ، فإن كان كثير الأمطار طالت الأمراض وآلت القروح فيه إلى الآكلة كثيرا ، لأن أخلاط البدن تكون قد عفنت جدا ويعرض زلق الأمعاء ولين البطن والماء الأصفر . وذلك يكون لأن البطن يكون سهلا جدا ولا يجف ويدوم ، فإذا كثر الاختلاف برد البدن كله ، واستسقاء وزلق الأمعاء ولين البطن تعرض من دوام سيلان الرطوبات من الرأس . إذا كان الصيف كثير الأمطار جنوبيا والخريف كمثل ما كان الشتاء ضرورة سقيما تعرض للمبلغمين والشيوخ وأبناء أربعين سنة حمى لهبة محرقة ، ويعرض لأصحاب الصفراء ذات الجنب ووجع الرئة . قال ج : هذا الكلام مضاد للعيان ولما يظهر دائما ولقوله في « كتاب الفصول » ، وذلك لأن في الأزمنة الحارة الرطبة تعفن الأخلاط ، فإذا كان الصيف والخريف حارين رطبين ثم