محمد بن زكريا الرازي
410
الحاوي في الطب
الثانية : تغير أزمنة السنة عن طبائعها يزيد الأمراض ، والوقت الواحد إذا تغير تغيرا شديدا أورث أمراضا . قال : صاحب المزاج الحار الرطب ينتفع بالصيف لرطوبته وفي الشتاء لحرارته وكذا فافهم في سائر المزاجات . لي : هاهنا يوهم أن جالينوس يناقض وذلك أنه يقول : الأمزجة ينبغي أن تحفظ صحتها بأشباهها حتى يكون الطعام اليابس يحفظ الصحة على أهل المزاج اليابس أكثر مما يحفظ عليهم الطعام الرطب في حال صحتهم وإذا كان ذلك كذلك فيجب أن يكون الهواء الحار يحفظ الصحة على الأمزجة الحارة ، وليس الأمر كذلك ، لأن الطعام إنما يحفظ الصحة متى تشبه بالمغتذي فما كان أقرب إلى طبع المغتذي كان أسرع تشبها به وأخف على الطبيعة وأما الهواء فإنه كالدواء المضاد لأن الهواء إنما يطفئ فضول الحرارة الدخانية المكتنزة في القلب ، وذلك هو الحاجة إلى التنفس فينتفع إذا بالمضادة ، لأن صاحب المزاج الحار اليابس إذا استنشق هواء حارا يابسا لم تنطفىء به عندما يحتاج إليه . قال : والأمزجة والأسنان كل واحد منهما ينتفع بالهواء المضاد ويلحقه الضرر عند الهواء الموافق ، والأمراض تهيج عند الهواء الموافق لها في الطبع وتضعف عند الهواء المضاد . قال : فحال الشيخ في الصيف أجود وكذا في سائر الأسنان وكذا الحال في البلدان ، وبالجملة صاحب المزاج المعتدل يحتاج إلى الاعتدال من هذه ، وأما سائر الأمزجة فالمزاج المضاد من الوقت والبلد ينفعه . قال أبقراط : إذا كان في يوم مرة حر ومرة برد فتوقع أمراضا خريفية بسبب اختلاف المزاج فإنه شبيه باختلاف مزاج الخريف وليست الأزمنة علة الإحداث بل الأمزجة . الجنوب يحدث ثقل السمع وغشاوة البصر وثقل الرأس وكسلا واسترخاء ، فعند قوة هذه الريح ودوامها تعرض هذه . والشمال يحدث سعالا وجنوبا وبطونا يابسة وعسر بول واقشعرارا ووجع الأضلاع ووجع الصدر . وعند دوام هذه الريح تحدث هذه للمرضى أكثر وللأصحاء دون ذلك إلا من كان مستعدا ؛ وإنما يكون ذلك من الجنوب لرطوبته وحره وإنما يملأ الرأس ويرخي الأعصاب لذلك فأما الشمال فإنه يخشن آلات النفس والبطن لأنه يجفف البدن كله ويضر بالمثانة ببرده فتضعف فيحدث لذلك عسر البول . قال : إذا كان الصيف كالربيع فتوقع في الحميات عرقا كثيرا ، لأن العرق لا يكون إلا أن يكون الهواء حارا رطبا ، فإن كان يابسا قلّله ، فإذا اجتمع الحار والرطب كثر ، لأن الحرارة تجذب الرطوبة نحو ظاهر البدن ، ولأن الهواء ليس بيابس لا ينشفه سريعا أو لا فيكثر العرق . الحميات في الهواء اليابس أقل منها في الهواء الرطب إلا أنها أحدّ لأن الهواء الحار اليابس يحلل الأخلاط فتقل وما يبقى يميل إلى المرار وحيث الكيفية . فأما في حال الهواء