محمد بن زكريا الرازي
311
الحاوي في الطب
قال ج في « حيلة البرء » : أن الأبدان التي ما يتحلل منها بخار دخاني حار حريف متى استحصفت من سبب ما حدث فيها حمى ولهذا أجود ما يستعمل هؤلاء في الاحتراس من حمى يوم إدامة الاستحمام بماء عذب فاتر والدلك اللين الذي يرخي البدن ويوسع مسامه والرياضة المعتدلة والأغذية المولدة كيموسا عذبا بلا حدة فيه ، وأضداد هذه الأشياء مضادة لهم مثل قطع الاستحمام والرياضة الشديدة والدلك الصلب والأغذية الحريفة المالحة والسهر والغضب والشمس والتعب وجميع ما يحدث الأخلاط والإمساك عن الطعام . قال : والأبدان يستحصف خارجها من كل شيء يقبض أو مما يرسخ في المسام ، ولهذا ينبغي أن يمنع من هذه حال بدنه من أن يتدلك في الحمام أو غيره بشيء قابض والتمرغ في التراب عند الصراع ويجتنب الأطعمة الغليظة اللزجة فإن هذه تبقى في مجاريه ومنافسه فتمنع تحلل ما كان منه يتحلل . وأن يبادر بهم إلى تفتيح مسامهم كلما يرون في أبدانهم التياثا قبل استحكام الحمى لأن الحمى تبطل حينئذ وتذهب بقلع سببها . قال : وجميع أصحاب حمى يوم ينبغي أن يدخلوا الحمام ساعة تنقضي النوبة الأولى ويدلكون بدهن دلكا لينا ويكون دلك من ناله ذلك من قبض جلده أقل ، وكذا من ناله ذلك من يبس إلا أنه يصب عليه الماء أكثر . من حم بسهر أو غضب أو همّ فلا حاجة لهم إلى استحمام كثير ولا دلك كثير لكن يعرق أبدانهم بدهن كثير مفتر لا قبض فيه ، ويدلكون دلكا يسيرا ثم يستحمون كالعادة ، ومن أصابه ذلك من شمس فهو يحتاج أولا إلى ما يبرد وإلى استحمام كثير ولا يكون بدلك كثير ولا تمريخ كثير ، والذي يبرده دهن الورد مبردا بالماء البارد والثلج على حسب ما يحتاج إليه وانطل منه إذا برد على الرأس بصوفة ولا تزال تفعل ذلك إلى انحطاط الحمى قليلا ثم امض به إلى الحمام إذا انحطت ، وإذا كان سبب الحمى بردا فإن كان به نزلة فلا تدخله الحمام دون أن ينضج نزلته أو زكامه ثم أدخله الحمام ، فأما من حم من احتراق فأدخله الحمام وإن كان به نزلة ، فإذا أخرجته من الحمام فمن حم من احتراق الشمس فادهن رأسه بدهن الورد ، ومن حم من برد فبدهن السوسن أو ناردين ، ولا يستعمل أحد من المحمومين الحمام إلا بعد انحطاط الحمى ، وغذاء أصحاب هذه الحمى بما يولد في البدن دما جيدا من أغذية سريعة الهضم لا تحتبس لها فضول ، وماء الشعير هو كذلك . وينبغي إذا كان الحمى حدثت من غضب أو احتراق أن يقصد مع ذلك للتبريد والترطيب ، وإذا حدثت من برد فأسخن إسخانا معتدلا . ومن حم من سهر أو غم أو همّ فضم إلى تدبيره ما يكون مرطبا . ومن حم من تعب فليكن تدبيره أكثر غذاء . ومن حم من برد فليكن أقل غذاء وليكن شرابه مائيا لأنه أفضل من الماء في إدرار البول والعرق مثل هذه الأبدان المرارية فإنها إذا كانت تنتفع بالماء البارد في صحتها فلا تمنعهم منه في حماهم بعد أن يكونوا قد اعتادوه ، فأما من لم يعتده فإني لا أبتدىء بسقيه إلا بعد أن ينضج وأعوده إياه أياما . قال : إذا حدثت حمى يوم بسبب سدة فإنه إن كانت يسيرة وعمل الطبيب في تفتيحها