محمد بن زكريا الرازي

292

الحاوي في الطب

من الثانية من « كتاب البحران » : حمى يوم إنما تكون من سخونة الروح فقط من غير أن يكون في الأخلاط عفن أو يحدث في الأعضاء ورم خلا التي تكون من ورم الغدد ، وقال قد تحدث من سهر وتخمة وغم وهم وغضب وحرق شمس وبرد وتعب والإكثار من الشراب ونحو ذلك ، والعلامات الشاملة لجميع حمى يوم أن النبض يزداد سرعة وتواترا وكثيرا ما يزداد عظما ويبقى استواؤه الطبيعي بحاله ونظامه ولينه ، وكذا البول فإنه ربما كان معه غمامة حميدة متعلقة ، وربما كان فيه رسوب ، وربما كان فيه غمامة طافية وكله حسن اللون ، وأما الحرارة فإنها بخارية لأنه ربما تبين ذلك حين تضع يدك على البدن ، وربما تبين ذلك بعد وليس معها شيء من الأعراض الخبيثة المذكورة في كتاب تقدمة المعرفة أعني الوجه الشبيه بوجه الميت كلطء الصدغ والأنف الدقيق والعين الغائرة فهذه العلامات العامية لها ، فأما التي تخص كل نوع منها فإني سأذكر منها طرفا ، أما الحادثة عن عوارض النفس فأقول : إنك إن حضرت المريض وتلك العوارض باقية بعد في نفسه فتفقد النبض خاصة كما بينت في كتاب النبض وأضف إليه الاستدلال بسائر الأشياء ، وإن كانت العوارض قد سكنت فستجد في النبض علامة خفية تدل على ذلك العارض الذي كان بسبب الحمى . لي : السؤال عن السبب البادي يعينك على الاستدلال بغيره فاقصد لذلك فإنه أسهل وأوضح . ومما يعم جميع حميات يوم أن بول جميعهم أقرب إلى الصفرة المشبعة . حمى يوم من غم تجد بدنه جدا أكثر من الحرارة ، ومن غضب خلاف ذلك ، وتجد ضمور البدن في من عرضت له هذه من غم أبين والعين غائرة واللون حائل ، وفي الهم أكثر ما تستدل على الحمى من عوارض النفس فضلا عن المرض والعلامات فيها في المرض أبين ، وفي السهر ميزه من لون الوجه ، وذلك أنه يكون متهيجا وبكد ما يحرك عينه . قال : والعين تجف في من يحم ويهيج جدا ، وغور العين مشترك بحمى غم وسهر ، وفي الغضب لا تغور العين ولا يكون البول رديا بل الحرارة في أبدانهم أكثر وترتفع من العين بسرعة ولا ينقص عظم النبض كما ينقص في أصحاب السهر والهم والغم . في حمى التعب يكون الجلد جافا في الوقت الذي بين أول الحمى ومنتهاها ثم إنه منذ الوقت يرتفع من العمق ما لم يسرف في التعب بخار . وفي بعضهم قد يبقى اليبس بحاله ، وأكثر ما يكون ذلك في من أفرط في التعب ولمن عرض له بغتة مع برد ونبض من أسرف في التعب صغير ، وأما من لم يسرف فإن نبضه يكون عظيما . في استحصاف الجلد : يستحصف الجلد إما من برد أو من شيء قابض يلقاه مثل الاستحمام بماء الشب ويعرف ذلك من اللمس لأن أبدان هؤلاء لا تجدها حارة اللمس أول ما تضع يدك عليها بل ساكنة الحرارة ، فإذا طال مماستك لها وجدت الحرارة قد احتدت ولا يكون بولهم مشبع الصفرة ولا أبدانهم ضامرة ولا أعينهم غائرة ولا جافة ولكن أرطب وأبقى مما كانت في وقت الصحة ولا يصغر نبضهم كما يصغر في حمى غب وغم وسهر وتعب مفرط .