محمد بن زكريا الرازي
285
الحاوي في الطب
وذلك أنك تجد أول الحركة وآخرها أسرع كثيرا من وسطها وليس الأمر كذلك في الغب لأن هذا الاختلاف فيها غير بيّن وخاصة في وقت منتهاها ولا تحمد في الربع شدة اللهيب والغليان فلا تدع مع ذلك سائر الدلائل التي من خارج على ما قلت ، وهل له طحال عظيم ؟ فإذا شهد ذلك ورأيت مع ذلك بعد الانحطاط النبض أشد تفاوتا وأبطأ من النبض الطبيعي فقد بان أنها ربع . لي : الاختلاف في النبض الخاص في الحميات ليس هو أن يكون نبضة عظيمة وأخرى صغيرة لكن الاختلاف في نبضة واحدة وهو أن يكون وسطها كأنه شيء لابث ممتد وأولها وآخرها سواء مسرعا جدا ، كأنك في المثل تتوهم أن رجلا يحضر أشد ما يكون مدة ثم يبطئ بإحضاره ذلك مدة ثم يعقبه بإحضار كالأول . قال : فأما النائبة كل يوم فإنك تجد الحرارة فيها مع فضل رطوبة وشيء من حدة ولا تتبين حدتها وحرارتها إلا بعد طول وضع اليد كأنها نار مغمورة في رطوبة كثيرة أشبه منها بنار قد غلبت واستحوذت على مادتها ونبضهم أصغر من نبض أصحاب الربع وتفاوته أقل من تفاوت أصحاب الربع وأما بطؤه فمسار للربع ، والعطش في المنتهى أقل منه في الربع فكم بالحري أن تنقص في هذه كلها عن الغب . قال : واللسان وسائر البدن يكون في الغب على أشد ما يكون يبسا وفي النائبة كل يوم أرطب ويكون القيء فيها بلغميا والبراز كذلك ولا تكاد ترى في شاب محرور بل تسرع إلى الصبيان وخاصة الصغار وإلى المبلغمين وخاصة السمان والبطالين والنهمين ومكثري الحمام بالماء العذب والتملؤ من الطعام والبلد والوقت الموافق لذلك ، وإن كانت يابسة في ذلك الوقت فهو دليل قوي ولا يسكنها العرق كما يسكن الغب والربع . وكذلك لا يكاد ينقي منها صاحبها ، والبول في ابتدائها إما رقيق أبيض أو أحمر كدر مشبع غليظ : فأما في الغب فإنه مشبع الصرة أو دونه قليلا ؛ وأما في الربع فالبول مختلف الأحوال إلا أنه في أحواله كلها غير نضيج ، فأما في الحميات الدائمة فأعظم ما تستدل به عليها أنك لا تجد فيها شيئا مما ذكرناه . لي : إنما لا يوجد فيها النافض فقط . قال : وإن تمضي بالحمى أربع وعشرون ساعة ولا تجد تنقضي فيها وأن يكون تزيدها مختلفا ، وهذا الدليل مع سائر دلائلها على سائر أمرها قد تنذر بطولها ولا يذهب أثر الحمى من النبض البتة ، فإن كان له مع ذلك سوء نظام أو سوء وزن فذلك يدل - مع أنها ليست من الحميات المفترة - على أنها عظيمة . لي : ينبغي أن يفهم ما يزيد بتزيد مختلف فإن بقيت بهذه الحال ورأيت لها في الثالث هيجانا أزيد وليس في البراز والبول نضج فليس تنقضي في السابع ، فإن رأيت الحال كذلك في الرابع في عدم النضج ورأيت البدن غير ضامر والحرارة كأنها مدفنة فإنما تطول أكثر . قال : وأحدّ الحميات الحمى المفترة وأسلمها الغب وأطولها الربع ولا خطر فيها .