محمد بن زكريا الرازي

265

الحاوي في الطب

ممتزجة أو متعاقبة تجيء إحداهما في أثر الأخرى ، أو واحدة مع اثنتين أو مع ثلاث ؛ تمام القسمة . والذي يستحق أن يذكر من المركبات لتغير علاجها شطر الغب ، وهي غب ودائمة وغب وربع ونحو هذا ، فأما غير ذلك فلا . قال ج في « حيلة البرء » : وإذا كانت أسباب المرض قد بطلت فليس يؤخذ منها على ما به دليل مثل حمى يوم من غضب ، وإذا كان السبب قائما لابثا ويولد المرض فخذ دليل العلاج منه ومن المرض نفسه أيضا كحميات العفن فإنه ينبغي أن يبتدأ بمدارة العفن ولا تغفل أيضا تبريد الحمى وتطفئتها ، فإن كانت الأشياء التي يداوى بها العفن موافقة لتبريد الحمى أيضا تغنمت ذلك وبادرت إليه ، وإن كان ما يداوى به ما قد استحكم وفرغ من الحمى يزيد في السبب فاستقص النظر حينئذ على هذا المثال ، ولا تخلو من هذه إما أن تداوي الحمى وتترك السبب الفاعل لها ناحية ، أو تقطع السبب ولا تبال بنفس الحمى ، أو تجعل أكثر قصدك لأحد هذين الغرضين ولا تغفل الآخر ، والأول من هذه الأقسام غير محمود لأنك متى كنت تداوي ما يحدث من الحمى دائما بأشياء تزيد في السبب الفاعل لها لم ينقطع كونها ولم ينقص عظمها لأن كونها أبدا تابع السبب ، وأما الثاني وهو أن تقطع السبب وتترك أمر الحمى فإنه ناقص لا يجوز استعماله في كل مكان ، وذلك أنه ربما كان بالحمى من العظم ما لا يطيق العليل احتماله والصبر عليه فليس ينبغي في هذه الحال أن تقصد لقطع السبب بما يزيد في حر الحمى ولا ينقص منه البتة وإلا أطفيت الحمى والمحموم ، وإن كان بالحمى من الضعف ما لا يتخوف معها أن يحل قوة المريض في المدة التي يقصد فيها لمقاومة السبب فليس هذا هنا بناقص ولا مكروه . وأما الضرب الثالث وهو أن تقصد قصد أعظمها « 1 » ولا تغفل الباقي فإنه محمود في الأكثر ، ولا ينبغي أن تركب غيره إلا عند الضرورة وفي الأكثر تجد السبب أقوى وربما كان في الندرة بالحمى من العظم ما إن لم تقصد لدفعه أتلف المريض ، ففي مثل هذه الحال فاقصد لتطفئة الحرارة وتبريدها ثم اقصد بعد هذا لقطع السبب الفاعل لها . وخذ الأعراض من هذه الثلاثة من القوة والحمى والسبب ، فالحمى تحتاج أن تقلع وقلعها يكون بقلع السبب ، والقوة تحتاج أن تستبقى فمتى رأيت القوة تقاوم الحمى قصدت لقلع السبب ، ومتى رأيت القوة تقصر عن ذلك قصدت لتقويتها أولا ثم عدت إلى قلع السبب . قال : ولا ينبغي أن تمتنع من الاستفراغ مع ثبات القوة وخاصة في الحميات القصيرة الأيام . قال جالينوس في « حيلة البرء » في العاشرة منها : استفراغ الفضول نافع في الحميات جدا . وقال : حمى دق وحمى يوم مداواتها مداواة الحمى نفسها ، فأما حميات العفن فتخالط « 2 » مداواة الحمى نفسها القصد « 3 » لقلع السبب الفاعل .

--> ( 1 ) لعله : إلى أعظمهما . ( 2 ) لعله : فتخالف . ( 3 ) لعله : فتقصد .