محمد بن زكريا الرازي

158

الحاوي في الطب

في علاج من أصابه نفث الدم من نزلة كانت امرأة نفثت دما وقد كانت سمعتني أقول : إن ملاك علاج هذه العلة أن تتدارك قبل أن ترم ، وإنه إن فات ذلك الوقت لم ينتفع بالعلاج ، وإن هذا هو السبب الأعظم في عطب من يعطب ، وكان بها نزلة ، فلما صرت إليها لم أفصدها لأنها كانت لم تأكل منذ أربعة أيام بسبب النزلة إلا ما لا بال لها به ولكن أمرتها بالحقنة وبدلك اليدين والرجلين بدواء حار زمانا طويلا وأن تربط اليدان والرجلان ربطا شديدا وأن يلحق رأسها ويجعل عليه الدواء المتخذ بخرء الحمام البرية ويركنه على رأسها قريبا من ثلاث ساعات ثم أمرتها أن تستحم في الحمام ولا يقرب رأسها الدهن ، وأمرت بعد خروجها من الحمام أن تغطي رأسها بشيء وسط يشبه الرمان ثم غذوتها بخس وحده وأطعمتها بعض الفواكه القابضة وسقيتها عند النوم ترياق الأفاعي مما عمل منذ أربعة أشهر ، لأن مثل هذا الترياق لقرب عهده بالأفيون قوته قوية بعد ، وما كان منه قد عتق فإن قوة الأفيون فيه تضعف ولهذا السبب صار الترياق الطريء يجلب النوم ويمنع المواد المتجلبة ويغلظ بعض الغلظ ، فلما انقضت النزلة وسكنت البتة علمت من نوع النفس الذي كانت تنفسه ومن صوت سعالها أن الرئة تحتاج إلى تنقية إلا أني لم أجد في تنفسها في اليوم الثاني لكني حفظتها بكل ما قدرت عليه من السكون والسكوت وأمرت بدلك يديها ورجليها وربطها وأمرت أن تدلك سائر أعضائها خلا الرأس فإنه كان حارا من قبل الدواء الذي وضعت عليه ثم سقيتها بالعشي قدر باقلاة من الترياق وكانت الشربة التي سقيتها في اليوم الأول أكثر من هذا المقدار كثيرا فنامت ليلتها هذه أيضا نوما حسنا وبكرت في اليوم الثالث فسقيتها عسلا كثيرا مطبوخا وحفظتها على الهدوء والسكون ، فلما تعالى النهار أمرت بدلك بدنها كلها وتقدمت أن تجعل غذاءها ماء الشعير مع شيء يسير من الخبز ، ولما كان في الرابع سقيتها بالغداة ترياقا قد بلغ عنفوانه من السنين مع عسل كثير ووضعت على رأسها أيضا من الدواء المسخن المجفف إسخانا وتجفيفا قويا ثم أدخلتها الحمام وغذوتها بغذاء قصد ، وفي اليوم الخامس رمت أن أنقي رئتها تنقية أبلغ . - لي : لأنها كانت قد أمنت من الورم - ثم إني مرة ثانية وثالثة بعد أن كنت أريحها في ما بين العلاجين كنت أضع على رأسها ضمادا وهو قيروطي وثافسيا وجعلت تدبيرها الناقة بالركوب والدلك والمشي وقطعت الاستحمام البتة وتناول الغذاء الجيد اليسير فبرئت برءا تاما ولم تحتج إلى شرب اللبن . قال : وأما فتى آخر هاج به سعال - من قبل برد وصل إلى أعضاء تنفسه - شديد فنفث نصف قوطولي من دم ففصدته من ساعتي وأخرجت دمه مرتين من يومه ومن غد مرتين