محمد بن زكريا الرازي
152
الحاوي في الطب
في تنقية المدة في فضاء الصدر إذا عفن الصدر وهذه العلة كثيرا ما تعرض فيعفن شيء من عظام الصدر فيضطر إلى قطعه في أكثر الأمر ويوجد ملبسا على الضلع العفن من الغشاء قد عفن أيضا بعفونة الضلع . ولم تزل العادة تجري في علاجنا لمن هذه حاله أن يزرق في هذه القرحة ماء العسل ويأمر العليل أن يضطجع على جانبه العليل ويسعل ، ومرارا كثيرة يهزه هزا رفيقا . في بعض الأوقات إذا غسلنا نعما وبقي منه في القرحة بقية أخرجنا منه ما يبقى في جوفها من ماء العسل بالزراقة لأن تنقى القرحة كلها ويخرج الصديد كله مع ماء العسل ثم يدخل حينئذ فيه الأدوية . قال : فإن بقي من ذلك الماء - أعني ماء العسل - شيء في ما بين فضاء الصدر والرئة وجدنا عيانا يصعد بالسعال من ساعتها . قال جالينوس : والعجب ممن يمتنع عنده دخول الدم والمدة من غشاء الرئة إلى أقسام قصبتها كيف لا يعجب من الدم الغليظ الذي يخرج من الجلد عندما ينعقد موضع الكسر من العظم المكسور ! فإن هذا الدم الذي ينصب إلى ذلك الموضع ليس فضل غلظه على غلظ الدم الطبيعي بيسير ، وجوهر الجلد أغلظ من الصفاق المحيط بالرئة بمقدار كثير جدا . قال : فينبغي أن تصدق أنه متى عرض للإنسان من سقطة أو صيحة أن ينفث دما كثيرا حارا أحمر يصعد دفعة مع سعال بلا وجع في صدره أن عرقا في رئته قد انقطع وانفسخ وتداويها على ما داويناها نحن مرات كثيرة ، فأجل غرضنا - إلا في الندرة - التّؤدة ، وذلك بأن تأمر العليل ألا يتنفس نفسا عظيما وأن يلزم القرار والهدوء دائما ، فافصده من ساعتك الباسليق وأخرج الدم مرة ثانية وثالثة لتجذب الدم عن ناحية الرئة . وادلك يديه ورجليه واغمزها واربطها برباط تبتدىء من فوق إلى أسفل على ما قد جرت العادة ، فإذا فعلت ذلك فاسقه أولا خلا ممزوجا بماء مزاجا كثيرا كيما إن كان قد جمد في الرئة دم فصار عبيطا يذوب ويخرج بالنفث ولا مانع أن تفعل مرتين أو ثلاثا في مقعدك عنده أو في نحو ثلاث ساعات واعطه بعد ذلك بعض الأدوية التي تسدّ وتغري وتقبض ، واعطه ذلك في أول الأمر مع خل ممزوج مزاجا كثيرا ومع طبيخ السفرجل أو حب الآس أو غير ذلك من الأنواع القابضة ، وبالعشي أعطه من هذا الدواء على هذا المثال وامنع المريض من كل طعام إن كان قويا فإن لم يكن قويا فحسه من الحساء قدر ما يكتفي به ، وإن أنت أخرجت له دما في اليوم الثاني بعد أن تحتمله قوته كان أجود ، والأجود والأصلح أن تغذوه من الغد أيضا بالحساء نفسه واسقه تلك الأدوية على ذلك المثال إلى اليوم الرابع ويعرق الصدر كما يدور في الصيف بدهن الورد أو دهن السفرجل وفي الشتاء بدهن الناردين . وإن أحببت أن تعالجه