محمد بن زكريا الرازي
133
الحاوي في الطب
متى انقطع عظم أو غضروف أو عصبة أو الموضع الدقيق من اللحى أو القلفة لم ينبت ولم يلتحم . قد اتفق الناس أن العظم والغضروف لا يتولدان إذا ذهبا . وأما أن لا يلتزقا ولا يلتحما فقد اختلفوا فيه . والعظم لا يلتحم بالحقيقة وإنما يشده دشبد وإن شرحت الحيوان المكسور الذي قد التحم بدشبد رأيت الكسر على حاله وقد احتوشه دشبد . كل دم يخرج عن أوعيته إلى فضاء آخر فلا بدّ أن يفسد ، إما أن يسود ، وإما أن يعفن ، وإما أن يصير مدة . من بط من المتقيحين والمستسقين فجرى منه من المدة أو الماء شيء كثير دفعة هلك لا محالة ، كذلك في الدبيلات العظيمة وكل خراج عظيم . المدة المتولدة لا تظهر للحس إما لغلظها نفسها وإما لغلظ ما عليها من اللحم وغيره ، وإما لهما جميعا . إذا مضت للقرحة سنة أو مدة أطول من ذلك وجب ضرورة أن يبرز منها عظم وأن يكون موضع الأثر بعد اندماله غائرا . قال جالينوس : القروح التي تطول مدتها إما أن لا تندمل البتة ، وإما إن هي اندملت انتقصت من غير أن يكون الأطباء يخطئون في علاجها ؛ فإنما يعسر برؤها ضرورة إما لأنه يجري إليها رطوبات تفسد مزاج العضو لطول جري تلك الرطوبات ، وإما لعظم يفسد في ذلك الموضع . قال : والآكلة تتسع دائما . قال : وقد اختلف في أسمائها فأما أنا فأسمي ما كان سعيه في الجلد نملة والنار الفارسية ، وما كان يسعى مع ذلك في اللحم غائرا آكلة - والتجربة تشهد بصحة قول أبقراط - وكثيرا ما تندمل القروح . من حدث به في دماغه جراحة فلا بدّ أن يحدث به حمى وقيء مرار ، أما الحمى فلأن الورم يحدث في الدماغ إذا حدثت فيه حرارة ، ويتبع الورم في كل عضو رئيس حمى ؛ وأما قيء المرار فلمشاركة فم المعدة للدماغ في العلة . وقد يعرض قيء المرار إذا وقعت الجراحة بالغشاء الصلب من أغشية الدماغ أيضا . إذا بدا الثرب فلا بدّ أن يعفن . قال جالينوس : إذا بدا الثرب - وهو الغشاء المتوسط على المعدة والأمعاء - من مزاجه وبقي خارجا فضل بقاء فليس يبقى صحيحا بطبعه كما يبقى الماء . والزائدة من زوائد الكبد إذا كانت من مزاجه فإن هذه إن لم يطل بقاؤها خارجا جدا حتى تبرد بردا شديدا فإنما تعود إلى حالها الأولى بعد اندمال الجرح . فأما الثرب فإنه لو وثب خارجا مدة يسيرة فإنه إذا أدخل وخيط عفن داخلا ، ولذلك يقطع الأطباء ما يبدو منه في أقل الحالات يكون ألا يعفن وذلك إذا لم يبق إلا قليلا جدا . إذا حدث خراج إلى داخل حدث من ذلك سقوط القوة وذبول النفس . إذا حدث عن الضربان الشديد في القروح انفجار الدم فذلك رديء لأنه يدل أن انفجاره من عروق ضوارب لحفز من الطبيعة لدفع ما يؤلمه .