محمد بن زكريا الرازي
105
الحاوي في الطب
بشيء من هذا الدواء وشيء من فربيون مقدار ما ظننت أنه يكفي فسحقته غاية السحق وخلطته به ثم أخذت من الزيت اللطيف فسخنته تسخينا معتدلا وعرقت به العضو العليل ووسعت فم الجرح قليلا - لأنه كان ضيقا - ووضعت الدواء عليه وأمرت العليل بالإمساك عن الطعام ، وأمرت الطبيب أن يحله بالعشي ويعيد العلاج ، فأصبح العليل وقد سكن وجعه وتبدد ورمه . فإن كان لم تصب العصب نخسة فقط لكن قد انخرق خرقا بينا فانظر إلى الخرق إذا : ثقب في طول العصبة أو في عرضها ، وكم مقدار ما انخرق من الجلد الذي يعلوها ؟ فانزل أن الجلد قد انخرق كثيرا حتى تكون العصبة مكشوفة ويكون خرقها بالطول ، أقول : إنه ليس ينبغي أن يقرب هذا الجرح شيء من الأدوية التي ذكرت مما يتخذ بالفربيون وأمثاله من الأدوية الحارة ، وذلك لأن العصبة بسبب أنها مكشوفة لا تحتمل قوة هذه الأدوية كما كانت تحتملها عندما كان بينها وبينها الجلد ، ولهذا صار الأجود في هذا الموضع أن تعجن نورة مغسولة بزيت كثير وتعالجها به . والدواء المتخذ بالتوتياء جيد في هذا الموضع إذا ديف بدهن لم يخالطه ملح لأن جملة غرضك في مداواة العصب المكشوف ينبغي أن يكون تجفيفها بلا لذع ، ولذلك ينبغي أن تغسل النورة مرات بماء عذب في وقت واحد ، ولتغسل التوتياء أيضا ، وذلك أن الأدوية المعدنية كلها إذا أريد منها أن تجفف ، بلا لذع فينبغي أن تغسل كلها ، وجميع ما يدخل في مداواة العصب من العلل وغيره فليغسل ؛ وإن كان العليل قويا وكان بدنه نقيا من الفضول فقد يمكنك أن تداويه ببعض الأدوية التي معها فضل قوة . لي : يعني في التجفيف كما فعلت أنا في بعض الأوقات بشاب كان أصابه حرق في زنده وكان في بدنه وسائر حالاته جيد البنية إلا أنه كان قد أحرقت الشمس بدنه فأخذت شيئا من أقراص بولوانداس « 1 » فدفته بعقيد العنب وسخنته على رماد حار وغمست فيه فتيلة ووضعتها في الجرح ، فإن هذا من أهم الأمور أن يكون لا يقرب موضع الحرق من العصب ولا يلقاه شيء بارد لأن العصب شديد الحس وهو مع هذا متصل بالدماغ ومزاج العصب بارد والبرد يؤثر فيه سريعا ويوصل ما يناله إلى الدماغ ، فإن تهيأ مع هذا أن تكون العصبة واحدة من العصب التي تتصل بالعضل فإنه ستحدث تشنجا في أسرع الأوقات ، ولما وضعت هذا الدواء في خرق العصبة ووضعته أيضا على مواضع كثيرة من فوقه جعلت أعرق جميع مواضع الإبطين والرقبة والرأس بزيت حار تعريقا متواترا وأخرجت له أيضا دما من عرق فصدته له في اليوم الأول فلما كان في الرابع حسنت حال الفتى وضمرت قرحته وانقبضت ورأيت أن لا أحدث فيها حدثا إلى السابع فبرأ في السابع برءا تاما . وما كان من القروح على هذه الحال فليس ينبغي أن يصب عليها زيت ولا سيما متى عولجت بمثل هذا العلاج الذي وصفته هاهنا لأن الزيت مضاد لقوة هذا العرض الذي ذكرته وهو مع هذا يوسخ القرحة ويوضرها .
--> ( 1 ) لعله : بوليداس .