محمد بن زكريا الرازي
103
الحاوي في الطب
في جراحات العصب والعضل والوتر والربط ووضعها قال : أصاب رجلا وجأة بحديدة دقيقة الرأس فجرحت الجلد ووصلت إلى بعض عصب يده فوضع عليه طبيب مرهما ملحما قد جربه في إلحام الجراحات العظيمة في اللحم فورم الموضع ، فلما تورم وضع عليه أدوية مرخية كضماد دقيق الحنطة والماء والزيت فعفنت يد الرجل ومات . قال : فأما نحن فلم نصب أحدا ممن أصابته وجأة في عصبه فبادر فتداوى بالأدوية التي استخرجناها نحن لجراحات العصب تشنّج ، وذلك أني بنيت في علاجها على أمر قد فهمته وهو أنه إذا أصاب العصب نخسة فلا بد ضرورة لفضل حسه أن يناله وجع شديد أكثر مما ينال سائر الأعضاء لفضل حسه وأنه لا بد أن يرم إن لم يحتل في تسكين الوجع ومنع حدوث الورم ، ولذلك رأيت أن الصواب في أن أستنقي وأشقه خوف الالتحام ليخرج منه ما يرشح من موضع النخسة من الصديد ، وأنا أبادر فأنقي البدن من الفضول وأجهد الجهد كله أن لا يحدث في العضو الذي وقعت به الوجأة وجع ، ولذلك أجتلب أدوية غرضي فيها تسكين الوجع وتفتح الطريق الذي يجري فيه الصديد . وأحزم الأمور في هذا الموضع أن يزاد في خرق الجلد ويوسع موضع الجرح ويستفرغ جملة البدن بالفصد إن كان في القوة محمل . وإن كان البدن رديء الأخلاط فلينق بدواء مسهل فبادر فيه في أول الأمر ، فأما الماء الحار فإنه على أنه مسكن لوجع سائر الأورام غاية التسكين فينبغي لك أن تعلم أنه من أضر الأشياء لجراحات العصب ، وذلك لأن جوهر العصب مادة رطبة تجمدها البرودة ، وجميع الأشياء التي لكونها كذلك تعفن وتنحل من الأشياء الحارة الرطبة تبعا ؛ وهذا لم أزل أمنع من أصابته هذه العلة من الماء الحار ولا أدعه يقربه البتة ، ورأيت أن النطول إنما ينبغي أن يكون بزيت حار لأن الزيت إذا كان باردا تشبث البدن وسد مسامه ، ومتى أدني إليه وهو حار حلل منه ، واخترت من الزيت اللطيف غاية اللطف واجتنبت زيت الإنفاق المعصور من الزيتون الفج لأن معه قبضا ، وبالجملة فإني أكره كل زيت قابض هاهنا ، واخترت منه ما يكون قد أتت عليه سنتان أو ثلاث لأن هذا يحلل تحليلا كثيرا ولا يبلغ به الأمر إلى أن يخرج عن أن يكون مسكنا للوجع ، فأما ما كان أعتق من هذا فإنه يحلل أكثر ويبلغ إلى أنه يصير أقل تسكينا للوجع . وأما الأدوية فقصدت منها إلى أن تكون معتدلة الحرارة لطيفة الأجزاء تجفف تجفيفا لا