محمد بن زكريا الرازي
74
الحاوي في الطب
لي : تحصيل هذا الكلام أن عدم النفث بعد المرض دليل على عدم التقييح البتة وبمقدار تأخره يكون طول زمان النضج وليس وجود النفث دليلا على وجود علة لكنه إن كان نضيجا محمودا خاليا من الكيفيات الرديئة حتى يستحق أن يسمى بزاقا وحدث بعد العلة سريعا دل على قصر العلة ، وإن كان بخلاف هذه الصفات فأما أن يدل على أن المرض يطول فقط وذلك إن لم يكن في النفث إلا عدم النضج فقط وهو أن تكون الكيفيات المخالفة للبزاق منه قليلة على ما سنقول بعد ومرة يدل على الموت وذلك إذا كان النفث مع عدمه للنضج رديئا خبيثا ، وذلك إذا كانت هذه الكيفيات صرفة محضة أو غالبة على البزاق ، ومن هاهنا نبتدىء نعلم أن ما النفث الغير نضيج وما النفث الرديء وكأنه يسمى النفس النضيج الحميد بزاقا والذي بخلاف ذلك نفثا غير نضيج كان أو رديئا . لي : قال : وأما تلك الأسماء التي تسمى نفثا فما كان منها فيه حمرة ناصعة يسيرة أو صفرة أو زبدية أو رقة فإنه يدل على أنه لم ينضج فقط ولا يدل على بلية فادحة ، فأما ما كان من النفث مفرطا في الحمرة الناصعة أو في الصفرة أو في الزبدية أو في الخضرة أو النفث في اللزوجة أو كان مستديرا فهو رديء ، وأكثر من هذا رداءة ما كان أسود ، قال : وانظر مع هذا في سهولة النفس وعسره وذلك إن كان يخرج بسهولة دل على أنه محمود جيد ، وإن كان بخلاف ذلك دل على أنه رديء . لي : هذا يدل على أن سهولة الخروج جيد لا الشيء الخارج ، وذلك أنه إن أمكن أن يكون نفث أخضر أو أسود يخرج بسهولة فليس يجب من أجل ذلك أن يكون هذا النفث محمودا لكن جهة خروجه محمود حتى يكون مثلا نفثين متساويي الحال في الردائة ، وأسهلهما خروجا هو أقلهما شرا وبالضد ، قال : وأنا أجيئك بشاهد من كتاب أبقراط في « تقدمة المعرفة » يأتي على جميع ما يحتاج إليه وهو قوله : إنه ينبغي أن يخرج البزاق في جميع الأوجاع التي في الصدر والرئة والأضلاع بسهولة وسرعة ويكون اللون الأحمر الناصع فيه مخالطا للبزاق جدا ، فقد دلك أبقراط بهذا القول : إن اسم البزاق إنما يجب للنفث الطبيعي الذي ذكرنا أنه ينبغي أن يوجد الشيء الأحمر الناصع قد خالطه مخالطة شديدة . لي : قد تبين من هذا الكلام أن النفث الصالح الحميد في هذه العلة ليس هو الذي فيه حمرة ولا تغير البتة بل الذي يخالطه حمرة قليلة مخالطة شديدة فإن الاختلاط الجيد عظيم في القوة وعلى قدر جودة الاختلاط يكون خروجه من الرداءة وبالضد ، وأن يكون الشيء الرديء غير مختلط بالبزاق نعما رديء . قال ج : أبقراط يظن دائما الاختلاط في جميع الأشياء إذا كان متفاوتا غير متساوية والتجربة تشهد على ذلك ، قال : ثم قال أبقراط : وذلك أن الأحمر الناصع إذا كان صرفا دل على خطر .