محمد بن زكريا الرازي

286

الحاوي في الطب

بل شيئا قليلا في كل مرة وذلك أنه عنده في كل استفراغه يجذب شيئا مما في العضو ويرجع ما في العروق إلى اعتدالها إذا أكففت عن الاستفراغ فيكون ذلك في مرات كثيرة فيستفرغ كل ما في العضو ، لو استفرغت في مرة واحدة لكان الاستفراغ أكثر مما يقع على المواضع القريبة من موضع الاستفراغ ، وليس هذا معنى موافق لأن استفراغ الشيء الحاصل في العضو لا يكون من الجهة المضادة له بل من أقرب المواضع أو من نفسه ، وإن كان هذا العلاج قد يحتاج إليه في مواضع كثيرة كالرعاف ، فهذا الكلام الذي قاله حنين جيد في المواضع التي يكون فيها خلط قد مال إلى موضع وهو يجري منه وإليه ، وأنت تريد أن تجتذبه إلى جهة أخرى ليمتنع استفراغه كالحال في الرعاف ، فأما حيث يكون شيء قد حصل في عضو مّا وارتبك فيه فلا يصح هذا وإلا يسترد الاستفراغ من الجانب المضاد شيئا مما حصل إلا قليلا لا بال له ، وهذا ذكر جالينوس في « حيلة البرء » في علاج الرعاف ، فأما ما قاله جالينوس فإن جملته هو أنه : يجب إذا هممت بجذب المادة إلى جهة الضد أن تسبق أولا فتسكن وجع العضو العليل ، فإنك إذا فعلت به ذلك ثم استفرغته من الجانب العليل كان أحمد لأن الفضل يسكن الوجع يظهر ميله إلى الموضع ويذهب نحو الجهة التي استفرغ منها . وهذا أيضا وإن كان صحيحا في المواضع التي يمكن أن يسكن الوجع من غير أن يخف العضو فليس بموافق أيضا . وقد قال حنين ما لا يجب على علمه والذي أرى أن أبقراط يريد بهذا القول أنه : متى قلب خلطا إلى جهة الضد فينبغي أن يستفرغ منه ما جاء فإذا لم يجئ لم يستدعه بالأدوية لأن في استدعائك له بالأدوية تهييجا له وترقيقا « 1 » وإذا هاج ورقّ فإنه قد يمكن أن يكون ميله إلى الموضع الذي سال إليه أكثر فليس ذلك بحزم أن يفعل ، وأيضا فإن في مجيء مقدار ما جذبت بسهولة من تلقاء نفسه كفاية لميل الخلط عن الموضع الذي أردت لأنه لم ينقطع جريته من حيث أملته إليه أنت إلا وقد قلّ وضعف وسكنت فورته وغليانه ، ففي ذلك كفاية ولا يحتاج أن تثيره وتهيجه وتولد له فورانا وهيجانا آخر وإن شئت فاقرء الموضع لتعلم أن ما قلناه ألبق ، وإنما هو الكلام في الأخلاط غير الدم ويصح أيضا في الدم من وجه . قال : إذا أحسسنا بميل الخلط إلى ناحية من النواحي بادرنا بالجذب إلى جهة المقابلة ولم نريّث لأن في المبادرة إلى ذلك منع أن يحصل فيه شيء كثير . قال : وقد يجذب الخلط من أسافل الجسم إلى أعاليه ، ومن ظن أنه لا يقع الجذب من الأسافل إلى الأعالي فقط غلط . الثانية من السادسة : قال : من انقطع عنه استفراغ كان يعتاده فأحدث علة معاودة الاستفراغ تذهب العلة سريعا ، وينبغي أن يهيج ذلك متى أغفل ، فإن اعتاد استفراغ شيء من فضول دماغه من أذنيه ثم انقطع ذلك عنه فأحدث عليه الدوار والسدر ، فإنك إذا هيجت ذلك واستدعيته إلى الأذنين بالأدوية المفتحة انتفع به على المكان ، متى احتجت أن تجذب شيئا إلى جهة الضد فلم يمكن ذلك في تلك لأنه أشرف أو لعلة فينبغي أن تزيله وتميله إلى موضع

--> ( 1 ) في الأصل : تهيج له وترقيق .